الاثنين، 2 ديسمبر 2013

الإسلام في ليتوانيا

الإسلام في ليتوانيا التغييرات في الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين الليتوانيين
لقد كان المسلمون ولا يزالون جزءًا من المجتمع الليتواني المتعدد الثقافات على الأقل منذ القرن الخامس عشر[1]، وعلى الرغم من ذلك فإن الإسلام والمسلمين لم يتغلغلوا في الثقافة الليتوانية كما فعل الأتراك والعرب في جنوب وجنوب شرقي أوربا؛ وبالتالي فإن وجود المسلمين (التتار) في ليتوانيا لم يكن واضحًا بشكل جيد، على الرغم من أن مساجدهم ومقابرهم قد أصبحت جزءًا من معالم أرض ليتوانيا، ومع تزايد نشر الإسلام في ليتوانيا في السنوات الأخيرة أصبح من الضروري دراسة الجالية التتارية المسلمة فيها مع المقارنة بين مسلمين آخرين فيها وبقية العالم الإسلامي.
إن تاريخ التتار في ليتوانيا -وبخاصة من الناحية العرقية- قد درسه قليل من المتخصصين في بولندا وليتوانيا، وليس هناك دراسة تتناول القضايا الاجتماعية والدينية المعاصرة للجالية المسلمة، أو أنها تتضمن وجهة نظر مقارنة بالنسبة إلى الممارسات الدينية للمسلمين التتار الليتوانيين.
هذا المقال عبارة عن محاولة متواضعة لاستعراض الحياة الاجتماعية والدينية للتتار الليتوانيين على ضوء تراثهم ونشاطاتهم الإسلامية.
هناك -أيضًا- هدف مهم من كتابة هذا المقال ألا وهو تحليل الحالة القضائية والاجتماعية للمسلمين التتار الليتوانيين، ومقارنتهم بغيرهم من الجاليات المسلمة كاللاجئين، والمهاجرين، والمقيمين بشكل مؤقت، ومن الذين أسلموا حديثًا، ودراسةُ طريقة اندماجهم في المجتمع.
كيف تعامل الدولة الليتوانية جميع هذه الجاليات سواء مجتمعة أو كل على حدة؟ وكيف يتعاملون ويتفقون فيما بينهم؟ هل يرحب التتار المسلمون بإخوانهم المسلمين؟ وهل يسعى القادمون الجدد لإنشاء علاقات مع التتار؟
إن مسألة اندماج المسلمين الجدد في المجتمع الليتواني لم تطرح في أي دراسة جادة، ويبدو في الوقت الحاضر أنه ليس هناك حاجة ملحة لطرح مسألة الوجود الإسلامي في ليتوانيا؛ حيث إن المسلمين يشكلون أقلية صغيرة جدًّا لا يتجاوز عددهم 6 آلاف نسمة من 3.7 ملايين في البلد، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك بعض التطورات التي تشير إلى أن هذه الحاجة ستكون ملحة.
إن المهتمين بالقضايا الأوربية المعاصرة مألوف لديهم معالجة المشاكل التي على البلدان الأوربية التعامل معها بسبب الوجود الإسلامي في أوربا، وهذه المشاكل تتعلق بمسألة الاندماج في المجتمع أو العزلة عنه، وليتوانيا بلد أوربي آخر سيواجه قريبًا التحديات المتصاعدة من وجود المسلمين على أرضها، ومع ذلك فإن مشاكلها ستأخذ شكلاً آخر، وخاصة بسبب وضعها التاريخي؛ ولأن مسلميها يعيشون فيها منذ قرون.
الوضع التاريخي
إن التتار الليتوانيين بكونهم مهاجرين من الخانيات والقبائل القرمية، كان لديهم الاختيار إما أن يهاجروا عائدين إلى أوطانهم، أو يحاولوا أن يستقروا وينشروا الإسلام على أرض ليتوانيا؛ ولكنهم لم يختاروا أيًّا منهما![2] وقد كان هناك دومًا احتمال آخر، إن لم يكن اختيارًا، وهو الاندماج والتبنّي الثقافي، وكما أشار (ماريك دْزيكان) الباحث في جامعة وارسو بحق أن التتار البولنديين -وكذلك التتار الليتوانيون كامتداد لهم[3]- تحملوا الاندماج الثقافي مع أنهم قاوموا الذوبان بنجاح[4]، وبقوا -اسميًّا- مسلمين زهاء ستمائة سنة خلال إقامتهم في ليتوانيا وبولندا، حيث كان التحول إلى النصرانية في التتار الليتوانيين نادرًا، ومع ذلك -كما سنرى فيما بعد- فإنهم تخلوا عن العديد من الممارسات الإسلامية، وقد ظهرت منهم وبشكل واضح ممارسات غير إسلامية؛ بل ممارسات مخالفة للإسلام.
لقد بدأ التتار الاستيطان في ليتوانيا في الوقت الذي تحولت فيه إسبانيا إلى النصرانية، وفي الوقت الذي لم يتصل سكانالبلقان بالتقدم العثماني بعد، بدأت عملية هجرة المسلمين من أصل تركي -نعني هنا وبشكل عام التتار- إلى ما كان يعرف في ذلك الوقت بدوقية ليتوانيا الكبرى في أوائل القرن الرابع عشر، واستمرت حتى نهاية القرن الخامس عشر تقريبًا[5]، وبعد ذلك بزمن، ومن حين إلى آخر كان المسلمون الليتوانيون يتنقلون بين دوقية ليتوانيا الكبرى وبين الدولة العثمانية، لقد كان هناك ثلاثة أقسام للمهاجرين المسلمين إلى ليتوانيا:
الأول: المهاجرون السياسيون من الخانيات والقبائل التترية، وكان هؤلاء من أوائل المسلمين الذين ظهروا في ليتوانيا؛ وإن كان بعضهم قد عاد إلى أوطانهم فيما بعد، فإن أغلبهم بقوا واستقروا.
الثاني: الجنود المسلمون الذين اتخذهم "فيتاوتاس" الدوق الأكبر لليتوانيا لحمايته الشخصية في نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر.
الثالث: أسرى الحرب الذين أسروا خلال الحروب بين دوقات ليتوانيا وبين أعدائهم المسلمين في أقصى الحدود الشرقية لدوقية ليتوانيا الكبرى، والجدير بالملاحظة أن التتار استقروا فقط في المناطق الشرقية من ليتوانيا، وأغلبهم كان في العاصمة فيلنيوس وما حولها، حيث إن بعض هذه المستوطنات لا تزال تحمل أسماء ذات أصول تركية.

lithuania-masqed.jpg

أحد مساجد ليتوانيا
أحد مساجد ليتوانيا
وصول الإسلام إلى ليتوانيا
إن وضع المسلمين منذ بداية هجرتهم إلى ليتوانيا يتسم بطبيعة غريبة وظاهرة نادرة بالنسبة إلى تاريخ العلاقات الإسلامية-النصرانية ووجود الإسلام في أوربا.
أولاً: إن قدوم الإسلام إلى ليتوانيا -وبعض المناطق في بولندا وروسيا البيضاء التي حكمها في ذلك الوقت دوق ليتوانيا- يختلف بشكل واضح مع وصول المسلمين إلى جنوب وجنوب شرقي أوربا، حيث إن وصول المسلمين إلى جنوب وجنوب شرقي أوربا جاء مع القتال وفرض حكمهم، بينما رُحِّب بالمسلمين لدى وصولهم إلى ليتوانيا وأهّل بهم؛ حيث استقروا بسلام في أراض يحكمها غير المسلمين.
إن ممتلكات الأندلس والدولة العثمانية في أوربا تعتبَر -ولو اسميًّا في بعض الأحيان- دارَ الإسلام؛ ولكن ليتوانيا على العكس من ذلك بقيت دائمًا دار حرب، وعلى الرغم من أن المسلمين كانوا يشكلون في الحقيقة جالية قليلة العدد[6] في ليتوانيا، فإنهم تمتعوا في كثير من الأحيان بالحقوق والحريات التي تمتع بها المواطن النصراني، وعند وصول كبار التتار إلى ليتوانيا كانوا يُمْنَحون درجة النبلاء وأراضٍ لتصبح ملكهم الشخصي، وقد كانت علاقتهم كل التتار الليتوانيين مباشرة مع الأسرة المالكة.
ثانيًا: إن المسلمين في ليتوانيا لم يجبروا قط لا على ترك دينهم عن طريق تغييره، ولا عن طريق وضع العوائق في طريق ممارساتهم لدينهم (مثل حظر، أو تحريم، أو قرارات عزل.. إلخ)، وقد كان يسمح للمسلمين في الدولة الليتوانية أن يطبقوا كل واجباتهم الدينية علنًا، وقد أنشأ المسلمون التتار عددًا من المساجد لأداء الشعائر الدينية، ويعتقد أن أول مسجد أقيم هناك كان قد بني في نهاية القرن الرابع عشر أو في بداية القرن الخامس عشر[7]، وبما أن هذه المساجد كانت مصنوعة من الخشب فإنه لم يفلت واحد منها من الاحتراق في زمن دوقية ليتوانيا الكبرى، (وذلك في الفترة ما بين القرن السادس عشر والثامن عشر)، ربما كان هناك 24 مسجدًا[8]؛ ولكن في بداية القرن العشرين بقي حوالي ستة مساجد فقط على أرض جمهورية ليتوانيا الحالية، وقد أغلقت هذه المساجد كلها خلال فترة الحكم السوفييتي، وقد بُدئَ بإصلاحها مرة أخرى، وفتحت منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي.
إن معظم هذه المساجد التي بقيت في ليتوانيا هذه الأيام كانت قد شيدت في القرن التاسع عشر، وبما أن أغلبية التتار الليتوانيين عاشوا في المناطق الريفية؛ فإن المساجد في القرى أكثر منها في المدن.
يوجد حاليًّا أربعة مساجد مفتوحة في ليتوانيا: أحدها في مدينة كاوناس، والثاني في قرية نيميسِز (القريبة من العاصمة فيلنيوس)، والثالث في كِتورْياسْدِسيمْتيز توتورْيو، والرابع في رايْطياي. وأما في فيلْنيوس فليس فيها أي مسجد، وتقام التجمعات في مركز جالية التتار الليتوانيين.
الممارسات الثقافية
لقد حافظ المسلمون منذ استقرارهم في ليتوانيا على أن تكون لهم مقبرة خاصة بهم، وقد كان الموتى يدفنون على الطريقة الإسلامية مع وضع حجر فقط كعلامة على القبر؛ ولكن بسبب تأثير جيرانهم النصارى، بدأ التتار الليتوانيين ببناء الأضرحة والكتابة عليها إما بالحرف العربي أو البولندي أو الروسي، إن هذه الممارسة غير الإسلامية ليست هي الوحيدة من نوعها؛ بل بدءوا بإشعال الشموع، والدعاء، وتناول الطعام جماعيًّا في المقابر[9]؛ وهذه الأعمال غير مشروعة في الإسلام.
وأما بالنسبة إلى الصيام خلال شهر رمضان فقد اشتهر أن المسلمين الليتوانيين يصومون بعض أيام رمضان وليس ثلاثين يومًا، كما هو مفروض في الإسلام[10]، والمسلمون السُّنَّة -أيضًا- يحتفلون بعيد عاشوراء[11]، وهو عيد يحتفل به الشيعة كذلك، وهو ذكرى مأساة كربلاء عام 680 م، عندما استشهد الإمام الثالث عند الشيعة الحسين بن علي[12].
ثانيًا: وهناك خرافة عند مسلمي ليتوانيا مرتبطة بهذه المناسبة [كربلاء] تحرِّف الحوادث التاريخية، وهي أن فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتقد أنها كانت تنتظر ابنيها -الحسن والحسين- عندما علمت بموتهما فسقطت في الحزن. وتاريخيًّا فإن فاطمة -رضوان الله عليها- ماتت قبل موت ابنيها، وهذا مثال واحد يُشير إلى أن المسلمين الليتوانيين غير ضليعين في التاريخ والدين الإسلامي.
اللغة
كان التتار الليتوانيون في الأصل يتكلمون لغتهم الأم، وهي إحدى لهجات الترك، ولكن في بداية القرن السابع عشر كان معظمهم يتكلمون فيما بينهم باللغة البولندية والبلوروسية (لغة روسيا البيضاء)[13]، وأما معرفة اللغة العربية واللغات "الإسلامية" فقد كانت قليلة بينهم، وبينما معظمهم يميزون الأحرف العربية، فإنهم يقرءون القرآن دون معرفة معاني ما يقرءونه أو يرتلونه، وقد ظهرت ترجمات القرآن الكريم باللغة الروسية والبولندية فقط في القرن التاسع عشر، ولا يبدو أن المسلمين الليتوانيين يهتمون بالأمور الدينية؛ حيث إن ثقافتهم الدينية حصرت نفسها في تعلم قراءة القرآن، وحفظ بعض الأذكار وأجزاء من القرآن، وأما الشروح والأذكار عادة ما تكون مكتوبة بالعربية البسيطة، أو باللغة البولندية، أو البلوروسية، ولكن بأحرف عربية محورة.
وأما العلماء "الملا" فإنهم يختارون من أعضاء الجالية، ولم يكن هناك مؤسسات ثقافية دينية (مدارس)، ولم يكن هناك معلومات عن العلماء المسلمين الليتوانيين الذين قد تخرجوا من معاهد إسلامية عليا حتى العشرينيات من القرن الماضي (1920)، وبسبب انعدام العلماء بين المسلمين الليتوانيين فإن عادة الدراسة الدينية لم تتطور عندهم.
البنية السلطوية
عرف عن المسلمين الليتوانيين أنهم يقاومون أي سلطة دينية خارجية، وقد اكتفوا دينيًّا حتى القرن التاسع عشر؛ حيث أجبرتهم الحكومة الروسية التي حكمت ليتوانيا خلال القرن 19 بقبول سلطة مفتي القرم؛ ولكنهم من الناحية العملية لم يتبعوا قيادته قط[14].
وفي فترة ما بين الحربين في بولندا، كانت أغلبية المسلمين الليتوانيين يعيشون في الجمهورية البولندية؛ (حيث امتدت رقعة الحكم إلى منطقة العاصمة الليتوانية فيلنيوس)، وكان لديهم (مراكز الإفتاء) الخاصة بهم، وقد استطاع المسلمون الليتوانيون أن يبقوا خلال الحقبة السوفييتية غير المرغوب فيها، ومنذ استقلال ليتوانيا في التسعينيات بدءوا بالظهور مرة أخرى كجالية دينية، وقد أعادوا تأسيس مراكز الإفتاء عام 1998.
تحديات معاصرة
كانت التسعينيات من القرن الماضي نقطة تحول بالنسبة إلى وجود الإسلام في ليتوانيا، لقد وفد إلى ليتوانيا مسلمون -ولا يزالون يفدون- من آسيا والشرق الأوسط؛ حيث إن بعضهم استقر هناك وانضموا إلى التجمعات الإسلامية، وفي الحقيقة إن الإمام في فيلنيوس تركي[15]، وإن الإمام الفعلي في بعض الأحيان لمسجد كاوناس كان لبنانيًّا، ومن ناحية فإن التتار الليتوانيين مغتبطون للدعم الخارجي من إخوانهم المسلمين؛ ولكن من ناحية أخرى فإنهم يهمّشون بسبب جهلهم بالممارسات الإسلامية، ومع ذلك فإن القادمين الجدد يهمّشون من الناحية القضائية؛ بسبب عدم وجود تمثيل لهم في الشئون الاجتماعية والدينية على مستوى الدولة.
انعدام الاتجاه الديني
كما ذكر سابقًا في اللمحة التاريخية عن المسلمين الليتوانيين، فإن التتار الليتوانيين -مع كونهم أنهم حافظوا اسميًّا على هويتهم الإسلامية- من الناحية العملية كانوا أقل تدينًا بكثير مما يتوقَع من المسلمين، والتتار الليتوانيون لم يلتزموا بتعاليم الإسلام بالإضافة إلى أشياء أخرى، وهذا واضح من أقوال المفتي في مجلة "الليتوانيون التتار" الشهرية، ففي كثير من الأحيان، كان المفتي غاضبًا على بعض الممارسات غير الإسلامية لأتباعه؛ فمثلاً كان المفتي قد حذر من إضاءة الشموع في المساجد والمقابر؛ لأن ذلك عمل غير إسلامي[16].
بينما في فيلنيوس على سبيل المثال، فإن المفتي -وهو شاب عمره 28 سنة ومتخرج من جامعة تركية- لم يتقن العربية بعد، وينقصه العلم بتعاليم الإسلام، بالإضافة إلى ذلك وعلى الرغم من أن مراكز الإفتاء مسجلة عند الدولة، فإنها لا تبدو منخرطة في نشاطات إسلامية طويلة المدى؛ حيث إن الوظيفة الرئيسية للمفتي هي سد الحاجات الدينية وإجابة الأسئلة وإصدار فتاوى، وللأسف فإن المسلمين الليتوانيين لا يسألون عن الفتاوى، وبهذه الطريقة فإن المفتي لا يحتاج إليه عمليًّا، وقد أصبح المفتي عبارة عن ملبٍّ للحاجات ومشرفًا على الأمور التقنية في المساجد مثل إصلاح ترشح في سقف المسجد، أو حل مشكلة التدفئة فيه، أو دفع قيمة استعمال الهاتف وما شابهها من الأمور.
وإلى جانب المفتي في فيلنيوس، هناك تتري ليتواني آخر حصل على ثقافة إسلامية، وهو الإمام الحالي لمسجد كاوناس وهو في العشرينيات من عمره، وقد تخرج من كلية إسلامية في لبنان، ويعتبر حاليًّا أحد الأئمة الثلاثة العاملين في ليتوانيا، بالإضافة إلى الإمام التركي في فيلنيوس، وآخر تتري عجوز في رايزياي.
أما في قريتي نميزيس وكِتورْياسْدِسيمْتيز توتورْيو فإن المفتي هو الإمام نفسه، ورسميًّا هناك إمام للجالية الإسلامية في كلابيدا (43 عضوًا مسجلاً) أيضًا؛ ولكنه يسكن في فيلنيوس، وهو من التتار الروس وهو بشكل واضح ليس لديه ثقافة إسلامية؛ لذلك فإن الجالية الإسلامية في ليتوانيا من الناحية العلمية -مع أن لهم قيادة اسمية- تفتقر إلى العلماء ذوي العلم اللازم والتجربة ليتولوا هدايتهم في حياتهم الدينية.
القضايا العرقية
إن دراسة الجاليات المسلمة في أنحاء أوربا تبين -وبشكل عام- أن المسلمين في البلدان الأوربية يقفون عند الحدود العرقية؛ فمثلاً الجزائريون يميلون إلى المحافظة على فصل المساجد والجمعيات الدينية عن غيرهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأتراك، والسنغاليين، والباكستانيين وغيرهم[17]، ويؤدي هذا إلى حدوث العديد من المشاكل؛ منها تمثيل القيادة الإسلامية عند الدولة التي يقيمون فيها.
بالنسبة إلى ليتوانيا فإن الوضع هنا مختلف عن بلدان الاتحاد الأوربي، (ويشبه نوعًا ما بلدان أوربا الشرقية)؛ فالحكومة تعترف بالإسلام كواحد من الأديان التسعة التقليدية، التي تحافظ عليها الدولة بنفسها، وإن مثل هذا التصرف من الحكومة مشكورة عليه.
وعلى أية حال، فإن حكومة ليتوانيا تعترف فقط بالإسلام "الليتواني"، الذي هو نسخة عن الإسلام الذي يدين به المسلمون التتار الليتوانيون، والموصوف بشكل رسمي بالإسلام السني؛ ولهذا اضطر المسلمون الليتوانيون عند تسجيل مراكز إفتائهم (مفتياتهم) في وزارة العدل عام 1998 أن يضعوا كلمة "سني" في اسم منظمتهم الدينية، فأصبحت كما يلي: "المركز الروحي للمسلمين الليتوانيين السنة"، وكما بيَّن "أسانافيكيوس" إمام جالية فيلنيوس الرسمي قائلاً: "قد يستطيع المسلمون أن يستلموا الدعم المادي من الحكومة فقط عندما يضعون كلمة (السنة) في اسم جمعيتهم"[18]، وإلا فإن جمعيتهم لن تعتبر واحدة من تسع منظمات رسمية محمية رسميًّا كـ"أديان تقليدية".
إضافة إلى ذلك فإن الحكومة الليتوانية تفترض أن المنظمة الدينية الإسلامية في ليتوانيا هي منظمة للتتار الليتوانيين، وبما أن الحكومة تخصص أموالاً للجاليات الدينية التقليدية التي تعترف بها؛ فإن التتار هم الذين يعتَبرون الممثلين الوحيدين للإسلام في ليتوانيا؛ لذلك فإنهم يتلقون دعمًا سنويًّا من الحكومة، ففي عام 1999 كانت حصتهم 18 آلاف ليتا (4500 دولار)، وفي عام 1998 كانت 20 ألف ليتا، وعلى كل حال، فإن المال ليس هو القضية هنا، ولو أنه لا يعتبر شيئًا إذا ما قورن بالمقاييس الليتوانية.
إن القضية هنا هي: من المعترَف به رسميًّا ومن -بالتالي- يتلقى الدعم من الحكومة، وقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا؛ لأن المال يعطى للجاليات التترية التي هي نفسها منظمات عرقية مستقلة.
في الوقت الحالي توجد خمس منظمات تترية مسجلة في جمهورية ليتوانيا، التي كانت تقسم الدعم المالي بين هذه المنظمات بالتساوي، ولم تكن مراكز الإفتاء (المفتيات) مبدئيًّا تعامَل على أنها إحدى هذه المنظمات؛ لذلك فإن أي دعم وصل فعليًّا للمفتيات كان نتيجة النية الطيبة للجاليات التترية، خصوصًا الجالية التترية في فيلنيوس، وهذا ما جعل المفتيات -وهي منظمة دينية- تعتمد كلِّيًّا على الجاليات التترية، التي هي جاليات عرقية.
أما في عام 2000 فقد تغيرت الأوضاع، تتلقى حاليًّا المفتيات المعونات مباشرة من الحكومة؛ إلا أن هذا الأمر أثار توترًا بين المفتيات والجاليات التترية؛ بالنسبة إلى مقدار المبلغ الذي تعطيه الحكومة للمسلمين التتار، والذي لم يزدد، وفي الحقيقة فإن الجاليات التترية الآن تحصل على مال أكثر، وهي بالتأكيد غير سعيدة بالتعديل الجديد لسياسة التوزيع، ومرة أخرى يطرح السؤال: من هو المدعوم من الحكومة؟ هل هم كل التتار (كأقلية عرقية)، أم التتار المسلمون، أم المسلمون في ليتوانيا (على الأقل السنيون)؟ وعلى مستوى الدولة فليس هناك موقف واضح، إن الوضع الذي كان سائدًا لعقد من الزمن كان مريحًا للجانبين؛ ولكنه اضطرب الآن.
وكما رأينا فإن الإسلام على مستوى نظام القضاء الليتواني يتعامل معه على أساس أنه دين عرقي، وإضافة إلى ذلك، على مستوى الجالية، فإن الإحساس الشعبي عند التتار الليتوانيين ضمنيًّا أن "إسلام ليتوانيا" يمثل التتار، وأن التتار هم الإسلام، ومثال على ذلك: هناك منظمتان منفصلتان في كاوناس، إحداهما "جالية مسلمي كاوناس الدينية"، والأخرى "الجالية التترية لمقاطعة كاوناس"؛ حيث إن أعضاء وقيادة هاتين المنظمتين واحدة، والأمور المتعامل معها مختلطة فيما بين المنظمتين، إن لم تكن هي في الغالب نفسها.
وخلال القرون جعل التتار المسلمون الإسلام تقليدهم الثقافي-العرقي، وحتى في هذه الأيام وفي صبيحة الظروف المتغيرة، ما زالوا يتمسكون بهذه الصفة، مدعومين كما رأينا من قبل الدولة، وهذا بالطبع يدفعهم للنزاع بينهم وبين المسلمين من بلدان أخرى، يفهم هذا من كلام أحد التتار المهتمين عندما قال: "هناك قضية تتطور عندما يتذكر التتار أصولهم ودينهم مرتين في السنة –خلال عيدي الفطر والأضحى[19]، في صلاة الجمعة في مسجد كاوناس -مثلاً- هناك كثير من المسلمين وللأسف ليسوا تترًا ولكنهم طلاب من دول الشرق الأوسط"[20]. يبدو من هذا الكلام أن الطلاب المسلمين هم الذين يمارسون الإسلام في ليتوانيا وليس المقيمون؛ لذلك فإن وجود هؤلاء الطلاب مرغوب فيه لحدود معينة، فهم يستخدمون في تعليم أولاد التتار وخصوصًا اللغة العربية، وليس لهؤلاء الطلاب في الجالية والمفتيات كلمة أو ممثلون عنهم[21]، وإضافة إلى ذلك فإن المسلمين غير التتر والمقيمين في ليتوانيا ليس لهم جمعية دينية مسجلة.
إن الجريدة الشهرية للتتار الليتوانيين تعكس الانطباع المتغير لدى المسلمين المحليين التتار نحو إخوانهم الأجانب، وإلى عهد قريب لم تكن هناك أي إشارة تدل على الامتعاض من المسلمين الأجانب؛ ولكن هذا بدأ يتغيَّر؛ حيث إن بعض التتار أصبح لديه احتراز نحو المسلمين الأجانب المقيمين في ليتوانيا؛ وهذا منعكس في تصريح الرئيس السابق لاتحاد جاليات تتر ليتوانيا، جوناس ريدزْفانوفيكيوس، عندما حذر من التزاوج بين المسلمين غير التتر والفتيات الليتوانيات[22].
يشير ريدزْفانوفيكيوس إلى أنه على التتار أن يحتفظوا بدينهم لأنفسهم ولا يشاركوا فيه أحدًا، من ناحية أخرى شعر بالأسف أن قليلاً من التتار من يأتي إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة[23]، وفي مناسبة أخرى أعلن ريدزْفانوفيكيوس أن "على التتار المحليين أن يكون لهم الدور الرئيسي في المسجد، لا أن يردُّوه للغرباء، المسجد تابع للتتار المحليين وليس للعرب". (كذا!)[24]، وكما ذكر آنفًا فإن المساجد المفتوحة في ليتوانيا لا يعتنى بها من قبل التتار بل هم يمتلكونها.
وصل التوتر والصراع الخفي على السلطة والقوة في الجالية الإسلامية الليتوانية إلى أقصاه عند وصول إمام جديد أرسل من قبل تركيا، وحين رغب المفتي الليتواني أن يأخذ على عاتقه دور الإمام بإمامة الصلوات الجماعية وإلقاء خطبة الجمعة بنفسه[25]، اعترض بعض الأتراك الحاضرين في المسجد على أساس أن الصلاة يجب أن تؤدى من قبل من يعرف قراءة القرآن بشكل جيد، (مضمنًا بكلامه أن المفتي غير قادر على القيام بها بشكل مقبول)، وقد أجاب المفتى عن هذا أن على المحليين (التتار) أن يؤموا في الصلاة ويتعلموا كيف يفعلون، وإلا فإنهم سيبقون غرباء في مساجدهم (كذا!).
إذا كانت هذه الرواية صحيحة فإنها تقترح عدة نقاط للنقاش حول وجود ووضْعِ الأقليات المسلمة في ليتوانيا اليوم.
ومن العدل أن نلاحظ أن التتار الليتوانيين يُعَرِّفون بأنفسهم -بشكل جزئي- مع الأتراك، ولعل هذا يكمن في الاهتمام التركي والمشاركة الفعالة في شئون التتار (إمام تركي، أدب إسلامي تركي، تعليمات باللغتين التركية والعربية، إصلاح المساجد بأموال تركية..)، ومع ذلك فإن هناك بعدًا تاريخيًّا لهذا الأمر، فإن التتار كانوا دائمًا يعتبرون أنفسهم أقرباء الأتراك، وبينما العرب والباكستانيون المسلمون في ليتوانيا ينظمون احتفالاتهم بشكل مستقل، فإن الأتراك يحبذون مشاركة التتار في احتفالاتهم -خاصة- بعيدي الفطر والأضحى.
الخلاصة
إن المسلمين في ليتوانيا ليسوا بدعًا من القول، وإنما لهم تاريخ طويل هناك؛ ولكن تغير طبيعة الوجود الإسلامي في البلد يطلق تحديات للجالية التترية الإسلامية الليتوانية الأصلية؛ بل وللمجتمع الليتواني ككل وللحكومة.
يجب أن توجد سبل جديدة للتعامل مع التاريخ الماضي والحالة الحاضرة لتناسب كل الجهات، إن ليتوانيا بدأت تنفتح على العالم، وهي بالفعل تحتاج إلى الخبرة للتعامل مع السكان ذوي الأديان والثقافات المتعددة، كيف ستستمر الدولة الليتوانية بالتعامل مع الوجود الجديد للإسلام على أرضها، يبقى أن يرى في المستقبل، ومع ذلك فهناك بعض المشاكل قد ظهرت، أولها وأشدها إلحاحًا هي الوضع النظامي للمسلمين (من غير التتر) في ليتوانيا، في الوقت الذي ضمن التتار وضعهم كممثلين عن الإسلام فيها، فإن المسلمين من غير التتر جرت تنحيتهم، إلا أن يستسلموا للجاليات التترية الليتوانية، وكما رأينا في نقاشنا أعلاه فإن هذا الأمر غير مرحب به بين التتار أنفسهم، وهكذا فإن القادمين الجدد عليهم أن يجدوا طريقهم في أن ينقشوا محرابًا للإسلام غير المحراب التتري الليتواني.
هناك أمر واضح، وهو أنه لا بد أن يكون هناك انعكاس للوضع الراهن بالنسبة إلى وجود الإسلام والمسلمين في ليتوانيا، هذا الانعكاس جوهري بالنسبة إلى التتار الليتوانيين أنفسهم وللدولة الليتوانية على عدة مستويات أيضًا: قضائيًّا ثم اجتماعيًّا. هنا قد يستطيع الدارسون الليتوانيون وغير الليتوانيين أن يساهموا بشكل ملحوظ في الحث على التفكير المتطلب من خلال تحضير بيئة لقرارات محكمة تأخذها الأطراف المهتمة على عاتقها بشكل جدي.

فتح مكة وعبرته لحاضر المسلمين ومستقبلهم

كانت هناك هدنة الحديبية خيرًا على المسلمين، فقد قضوا خلالها على يهود في المدينة المنورة وخارجها عسكريا، فلم يعد لهم أي خطر عسكري يهدد المسلمين. كما أتاحت للمسلمين السيطرة على القبائل العربية في شمالي المدينة حتى حدود الشام والعراق، وانتشر الإسلام بين القبائل العربية كلها، فأصبح المسلمون القوة الضاربة الأولى في شبه الجزيرة العربية كلها.
ولم يبق أمام المسلمين غير فتح مكة، تلك المدينة المقدسة التي انتشر الإسلام فيها أيضًا، ولم يحل دون فتحها وعودة المستضعفين الذين أخرجوا منها بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، إليها، غير صلح الحديبية الذي يحرص النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الوفاء به.
وقد أدى انتشار الإسلام بين قسم كبير من القبائل ومن ضمنها قريش وبقاء القسم الآخر على الشرك إلى تفرق كلمة القبائل واستحالة جمع تلك الكلمة على حرب المسلمين. ولم يبق في قريش زعيم مسيطر يستطيع توجيهها إلى ما يريد حين يريد: المسلمون فيها لا يخضعون إلا لأوامر الإسلام، والمشركون فيها بين متطرف يدعو للحرب مهما تكن نتائجها، ومعتدل يعتبر الحرب كارثة تحيق بقريش.
إعلان الحرب:
أراد بنو بكر حلفاء قريش أن يأخذوا بثاراتهم من بني خزاعة حلفاء المسلمين، وحرضهم على ذلك متطرفو قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل وقسم من سادات قريش، وأمدوهم سرًّا بالرجال والسلاح. وقامت بكر بالهجوم المباغت على خزاعة فكبدوهم خسائر في الأرواح والأموال، والتجأت خزاعة إلى البيت الحرام فطاردتهم بكر مصممة على القضاء عليهم غير مكترثة بصلح الحديبية، فانتهت الهدنة بين قريش وحلفائها من جهة، وبين المسلمين وحلفائهم من جهة أخرى، وكان الذي نقض هذه الهدنة قريشا وبكرا.
وسارع عمرو بن سالم الخزاعي بالتوجه إلى المدينة حاملا أنباء نقض صلح الحديبية، فلما وصل إلى المدينة قصد المسجد وقص على النبي صلى الله عليه وسلم ما أصاب خزاعةَ من بكر وقريش في مكة وخارجها، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرتَ يا عمرو بن سالم»!
وخرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بما أصابهم فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على فتح مكة.
وقدر قادة قريش المعتدلون وعقلاؤهم ماذا يعنيه انتهاء الهدنة بين قريش والمسلمين، فقرروا إيفاد أبي سفيان بن حرب إلى المدينة للتشبث بتثبيت العهد وإطالة مدته.
ولما وصل أبو سفيان «عسفان» في طريقه إلى المدينة لاقى بديل بن ورقة وأصحابه عائدين من المدينة، فخاف أن يكونوا جاءوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما حدث بين بكر وخزاعة، مما يزيد مهمته التي جاء من أجلها تعقيدًا، إلا أن بديلا نفى مقابلته للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أبا سفيان فحص فضلات راحلة بديل فوجد فيها نوى التمر، فعرف أنه كان في المدينة.
ووصل أبو سفيان إلى المدينة، فقصد دار ابنته أم حبيبة رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يجلس على الفراش فطوته دونه فقال لها: «يا بنية! ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟» فقالت: «بل هذا فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس». فقال: «والله لقد أصابكِ بعدي شر».
واستشفع أبو سفيان بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ليكلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأبى.. واستشفع بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأغلظ له في الرد وقال: «أأنا أشفع لكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ واللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به».
ودخل أبو سفيان على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعنده فاطمة رضي الله عنها، فقال علي: «والله يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه».
واستشفع أبو سفيان بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن يجير ابنها الحسن بين الناس، فقالت: «ما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم».
واستنصح أبو سفيان عليًّا بعد أن اشتدت عليه الأمور فنصحه أن يعود من حيث أتى، فقفل أبو سفيان عائدًا إلى قريش ليخبرهم بما لقي من صدود، ولم يبق هناك شك في إعلان الحرب.
الاستعدادات للحرب:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه بإنجاز استعداداتهم للحركة، وبعث من يخبر قبائل المسلمين خارج المدينة بإنجاز استعداداتهم للحركة أيضًا، كما أمر أهله أن يجهزوه، ولكنه لم يخبر أحدًا بنياته الحقيقية ولا باتجاه حركته، بل أخفى هذه النيات حتى عن أقرب المقربين إليه، ثم أرسل سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بطن إضم ليزيد من إسدال الستار الكثيف على نياته الحقيقية.
ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على ابنته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: أي بنية! أأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز. فقال: فأين ترينه يريد؟ قالت: والله لا أدري.
ولما اقترب موعد الحركة، صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سائر إلى مكة. وبث عيونه ليحول دون وصول أنباء اتجاه حركته إلى قريش، ولكن حاطب بن أبي بلتعة كتب رسالة أعطاها امرأة متوجهة إلى مكة، يخبرهم فيها بنيّات المسلمين، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة، وبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما، فأدركاها وأخذا منها تلك الرسالة التي كانت معها.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا يسأله عما حمله على ذلك؟ فقال: يا رسول الله بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمَا إنه قد صدقكم؛ وما يدريك، لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم». وشفع لحالطب ماضيه الحافل بالجهاد، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر المسلمين أن يذكروه بأفضل ما فيه.

1.jpg

فتح مكة
فتح مكة
في الطريق إلى مكة المكرمة:
غادر المسلمون المدينة المنورة في رمضان من السنة الثامنة الهجرية في عشرة آلاف رجل، بقيادة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام قاصدين فتح مكة، وكان جيش المسلمين مؤلفًا من الأنصار والمهاجرين وسليم ومزينة وغطفان وغفار وأسلم.. وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم من القبائل الأخرى، في عدد وعُدد لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل، وكلما تقدم الجيش من هدفه ازداد عدده بانضمام مسلمي القبائل التي تسكن على جانبي الطريق إليه. ومع كثافة هذا الجيش وقوته وأهميته، فقد بقي سر حركته مكتومًا لا تعرف قريش عنه شيئًا. فبالرغم من اعتقاد قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم في حل من مهاجمتهم، ولكنها لم تكن تعرف متى وأين وكيف سيجري الهجوم المتوقع. ولشعور قريش بالخطر المحدق بها، أسرع كثير من رجالها بالخروج إلى المسلمين لإعلان إسلامهم، فصادف بعض هؤلاء، ومنهم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، جيشَ المسلمين في طريقه إلى مكة المكرمة.
ووصل جيش المسلمين إلى موضع مرّ الظهران على مسافة أربعة فراسخ من مكة، فعسكر المسلمون هناك. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوقد كل مسلم في جيشه نارًا، حتى ترى قريش ضخم الجيش دون أن تعرف هويته فيؤثر ذلك في معنوياتها فتستسلم للمسلمين دون قتال، وبذلك يحقق النبي صلى الله عليه وسلم هدفه السلمي في فتح مكة بدون إراقة دماء.
وأوقد عشرة آلاف مسلم نيرانهم، ورأت قريش تلك النيران تملأ الأفق البعيد، فأسرع أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام بالخروج باتجاه النيران، ليعرفوا مصدرها ونيات أصحابها، فلما اقتربوا من موضع معسكر المسلمين قال أبو سفيان: هذه والله خزاعة حمشتها [جمعتها] الحربُ. فلم يقتنع أبو سفيان بهذا الجواب، فقال: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وكان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من معسكر المسلمين راكبًا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ليخبر قريشًا بالجيش العظيم الذي جاء لقتالها والذي لا قبل لها به، حتى يؤثر في معنوياتها ويضطرها إلى التسليم دون قتال، فيحقن بذلك دماءها ويؤمن لها صلحًا شريفًا ويخلصها من معركة خاسرة معروفة النتائج سلفًا، فسمع وهو في طريقه محاورة أبي سفيان وبديل بن ورقاء، فعرف العباس صوت أبي سفيان، فناداه وأخبره بوصول جيش المسلمين ونصحه بأن يلجأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ينظر في أمره قبل أن يدخل الجيش فاتحًا صباح غد، فيحيق به وبقومه ما يستحقونه من عقاب.
وأردف العباسُ أبا سفيان على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم وتوجّها نحو معسكر المسلمين، فلما وصلا إلى المعسكر ودخلاه أخذا يمران بنيران الجيش في طريقهما إلى خيمة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مرّا ينار عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع عمر إلى خيمة النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يأمره بضرب عنق أبي سفيان، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمه أن يستصحب أبا سفيان إلى خيمته، ثم يحضره إليه صباح غد، فلما كان الصباح وجيء بأبي سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسلمَ ليحقن دمه، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستوثق من سير الأمور كما يحب بعيدًا عن وقوع الحرب، فأوصى العباس باحتجاز أبي سفيان في مضيق الوادي حتى يستعرض الجيش الزاحف كله، فلا تبقى في نفسه أية فكرة للمقاومة.
قال العباس: خرجتُ بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله، ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: سليم. فيقول: مالي ولسليم! ثم تمر به القبيلة فيقول: ياعباس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ومالي ولمزينة! حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: مالي ولبني فلان! حتى مرّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منها إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله، يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. فقال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: نعم إذن. عند ذلك قال العباس لأبي سفيان: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان إلى مكة.
قبل دخول مكة المكرمة:
دخل أبو سفيان مكة مبهورًا مذعورًا، وهو يحس أن من ورائه إعصارًا إذا انطلق اجتاح قريشًا وقضى عليها. ورأى أهل ملكة قوات المسلمين تقترب منهم، ولم يكونوا حتى ذلك الوقت قد قرروا قرارًا حاسمًا بشأن القتال ولا اتخذوا تدابير القتال الضرورية، فاجتمعوا إلى ساداتهم ينتظرون الرأي الأخير، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق مجلجلا جازمًا: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان كان آمنًا.
وسمعت هند بنت عتبة بن ربيعة زوج أبي سفيان التي كانت تشايع المتطرفين من مشركي قريش ما قاله زوجها، فوثبت إليه وأخذت بشاربه وصاحت: اقتلوا هذا الحميت الدسم الأحمس [أي هذا الزق المنتفخ]، قبّح من طليعة قوم.
ولم يكترث أبو سفيان بسباب امرأته، فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
وقالت قريش: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وأصبحت مكة المكرمة تنتظر دخول المسلمين: اختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، واجتمع بعضهم في المسجد الحرام، وبقي المتطرفون مصرين على القتال.
خطة الفتح:
كانت مجمل خطة الفتح تتلخص في: الميسرة بقيادة الزبير بن العوام، واجبها دخول مكة من شماليها.
والميمنة بقيادة خالد بن الوليد، واجبها دخول مكة من جنوبها، وقوات الأنصار بقيادة سعد بن عبادة، واجبها دخول مكة من غربيها، وقوات المهاجرين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح واجبها دخول مكة من شماليها الغربي من اتجاه جبل هند. ومثابة اجتماع قوات المسلمين بعد إنجاز الفتح في منطقة جبل هند. وكان اجتماع قوات المسلمين بعد إنجاز الفتح في منطقة جبل هند.
وكانت أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لقادته تنص على ألا يقاتلوا إلا إذا اضطروا اضطرارًا إلى القتال، لغرض أن يتمّ الفتح سلميًّا وبدون قتال.
ودخلت قوات المسلمين مكة فلم تلق مقاومة، إلا جيش خالد بن الوليد، فقد تجمع متطرفو قريش مع بعض حلفائهم من بني بكر في منطقة الخندفة، فلما وصلها رتل خالد أمطروه بوابل من نبالهم، ولكن خالدًا لم يلبث أن فرّقهم بعد أن قُتل رجلان من رجاله ضلا طريقهما وانفصلا عنه، ولم يلبث صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن تركوا مواضعهم في الخندمة وفروا مع قواتهم، واستسلمت المدينة المقدسة للمسلمين، وفتحت أبوابها لهم، وعاد المستضعفون الذين أخرجوا منها بغير حق إلى ديارهم وأموالهم.
في مكة المكرمة:
عسكر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في منطقة جبل هند، بعد أن سيطر المسلمون على جميع مداخل مكة، فلما استراح وتجمعت أرتال الجيش، نهض والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد الحرام، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت العتيق وحول البيت، وكان في الكعبة ستون وثلاثمائة صنم، يطعنها بالقوس وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطلُ إن الباطل كان زهوقًا.. جاء الحق وما يُبدِئُ الباطل وما يعيد) ثم دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها، فرأى الصور تملأها، ومن بينها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فمحا ما في الكعبة من صور، ثم صلى ودار في البيت يكبر، ولما انتهى تطهير البيت من الأصنام والصور، وقف على باب الكعبة، وقريش تنظر ماذا يصنع، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو مال فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. يا معشر قريش، إن الله قد أذهبَ عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللهِ أتقاكم إن الله عليم خبير. يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: « فإني أقول كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء».
طهر المسلمون البيت من الأصنام، وأتم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أول يوم من أيام فتح مكة ما دعا إليه منذ عشرين سنة: أتم تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها، وهي لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا.
وأقام النبي صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يومًا، نظّم خلالها شئون مكة، وفقّه أهلها في الدين، وأرسل بعض السرايا للدعوة إلى الإسلام وتحطيم الأصنام، من غير سفك للدماء.
عبرة الفتح:
 1-الكتمان
ما أحوج المسلمين اليوم أن يتعلموا الكتمان من هذه الغزوة، فأمورهم كلها مكشوفة، بل مكشّفة، وأعداؤهم يعرفون عنهم كل شيء، لا تكاد تخفى عليهم، فلا سر لدى المسلمين يبقى مكتومًا.
لقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على ألا يكشف نياته لفتح مكة لأي إنسان، عندما اعتزم التحرك إلى مكة وكان سبيله إلى ذلك الكتمان الشديد.
لم يبح بنياته لأقرب أصحابه من نفسه أبي بكر الصديق، بل لم يبح بنياته لأحب النساء إليه عائشة بنت أبي بكر الصديق، وبقيت نياته مكتومة حتى أنجز هو وأصحابه جميع استعدادات الحركة، وحتى وصل أمر الاستحضار إلى المسلمين كافة خارج المدينة وداخلها، ولكنه كشف نياته في الحركة إلى مكة قبيل موعد خروجه من المدينة، حيث لم يبق هناك مسوغ للكتمان، لأن الحركة أصبحت وشيكة الوقوع.
ومع ذلك، بث عيونه وأرصاده، لتحول دون تسرب المعلومات عن حركته إلى قريش.
بث عيونه داخل المدينة ليقضي على كل محاولة لتسريب الأخبار من أهلها إلى قريش، وقد رأيتَ كيف اطلع على إرسال حاطب بن أبي بلتعة برسالته إلى مكة، فاستطاع حجز تلك الرسالة.
وبث عيونه وأرصاده داخل المدينة وخارجها ليحرم قريشًا من الحصول على المعلومات عن نيات المسلمين، وليحرم المنافقين والموالين لقريش من إرسال المعلومات إليها.
وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظًا كل اليقظة، حذرًا كل الحذر، حتى وصل إلى ضواحي مكة، ونجح بترتيباته في حرمان قريش من معرفة نيات المسلمين أعظم نجاح.
ولكي يلقي النبي صلى الله عليه وسلم ظلا كثيفًا من الكتمان على نياته، بعث سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بطن إضم، شمالي المدينة المنورة، بينما كان يستعد لفتح مكة في جنوب المدينة المنورة، فسارت أخبار المسلمين بأنهم يتجهون شمالا لكتمان اتجاههم نحو الجنوب.
ولو انكشفت نيات المسلمين لقريش في وقت مبكر، لاستطاعت حشد حلفائها وتنظيم قواتها وإعداد خطة مناسبة لمقابلة المسلمين، ولاستطاعت مقاومة المسلمين أطول مدة ممكنة دفاعًا عن مكة المكرمة ولأوقعت بهم خسائر في الأرواح والأموال، وكانت قريش قد استطاعت حشد عشرة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب كما هو معروف، وباستطاعتها أن تحشد مثل هذا الحشد وأكثر دفاعًا عن مكة.
وليس من السهل أن يتحرك جيش ضخم تعداده عشرة آلاف مقاتل من المدينة إلى مكة بالمراحل دون أن تعرف قريش وقت حركته وموعد وصوله ونياته، حتى يصل ذلك الجيش اللجب إلى ضواحي مكة القريبة، فيفلت الأمر من قريش، ولا تعرف ما تصنع إلا اللجوء إلى الاستسلام دون مقاومة.
إن تدابير النبي صلى الله عليه وسلم في الكتمان أمّنت له مباغتة كاملة لقريش، وأجبرتها على الرضوخ للأمر الواقع: الاستسلام.
وهذا الكتمان لا مثيل له في سائر الحروب، ما أحرانا أن نتعلمه ونقتدي به ونسير على منواله.
2-بعد النظر:
القائد المتميز هو الذي يتسم ببعد النظر، بالإضافة إلى مزاياه الأخرى، ويتخذ لكل أمر محتمل الوقوع التدابير الضرورية لمعالجته، دون أن يترك مصائر قواته للاحتمالات بدون إعداد كامل.
إن النصر من عند الله، يؤتيه من يشاء، ولكن الله سبحانه وتعالى ينصر من أعدّ عدّته واحتاط لكل احتمال كبير أو صغير قد يصادفه، لذلك يشدد العسكريون على إدخال أسوأ الاحتمالات في حسابهم في أية عملية عسكرية.
لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحبس أبو سفيان في مدخل الجبل إلى مكة، حتى تمر عليه جنود المسلمين، فيحدث قومه عن بينة ويقين، ولكي لا يكون إسراعه في العودة إلى قريش قبل أن تنهار معنوياته تمامًا، سببًا لاحتمال وقوع أية مقاومة من قريش، مهما يكن نوعها ودرجة خطورتها. وفعلا اقتنع أبو سفيان بعد أن رأى قوات المسلمين كلها، أن قريشًا لا قبل لها بالمقاومة.
وقد أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في حساباته أسوأ الاحتمالات أيضًا، عند تنظيمه خطة الفتح، فكانت تلك الخطة تؤمن تطويق البلد من جهاته الأربع بقوات مكتفية بذاتها، بإمكانها العمل مستقلة عن القوات الأخرى عند الحاجة، وبذلك تستطيع القضاء على أية مقاومة في أية جهة من جهات مكة، كما تؤمن توزيع قوات قريش إلى أقسام لمقاومة كل رتل من أرتال المسلمين على انفراد، فتكون قوات قريش ضعيفة في كل مكان.
واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم هذه التدابير الفاعلة بالرغم من اعتقاده بأن احتمال مقاومة قريش للمسلمين ضعيف جدًّا، وذلك ليحول دون مباغتة قواته وإيقاع الخسائر لها، مهما تكن الظروف والأحوال.
فما أحرى أن يتعلم المسلمون هذا الدرس ويطبقوه في إعداد خططهم المصيرية!
3-العقيدة:
كان جيش الفتح مؤلفًا من المهاجرين والأنصار ومسلمي أكثر القبائل العربية المعروفة في حينه، لا يوحد بينه غير العقيدة الواحدة، التي يضحي الجميع من أجلها، وتشيع بينهم الانسجام الفكري الذي يجعل التعاون الوثيق بيهم سائدًا.
لقد كانت انتصارات المسلمين الأولين انتصارات عقيدة بلا مراء، وكان النصر من أول ثمرات هذه العقيدة على النطاق الجماعي.
أما على النطاق الفردي، فقد رأيت كيف طوت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فراش النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها أبي سفيان، وقد جاء من سفر قاصد بعد غياب طويل؛ ذلك لأنها رغبت به عن مشرك نجس، ولو كان هذا المشرك أباها الحبيب.
وعندما جاء أبو سفيان مع العباس ليواجه النبي صلى الله عليه وسلم، رآه عمر بن الخطاب، فغادر خيمته واشتد نحو خيمة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل إليها قال: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه. قال العباس: يا رسول الله! إني قد أجرته، فلما أكثر عمر قال العباس: مهلا يا عمر، ما تصنع هذا إلا لأنه من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي ما قلت هذه المقالة، فقال عمر: مهلا يا عباس، فوالله إسلامك يوم أسلمت كان أحب لي من إسلام الخطاب لو أسلم. لقد كان يمثل عقيدة المسلمين الأولين، بينما كان العباس حديث عهد بالإسلام.
وكيف نعلل إقدام المهاجرين على المشاركة في غزوة الفتح، التي لم يكن من المستبعد أن تصطرع فيها قوات المسلمين وقوات قريش؟
إن عقيدة المسلمين لا تخضع للمصالح الشخصية، بل هي رهن المصالح العامة وحدها، وقد انتصر المسلمون بالعقيدة الراسخة، وهي اليوم غائبة عنهم فذلوا وهزموا، فما أحراهم أن يعودوا إلى عقيدتهم ليستعيدوا مكانتهم بين الأمم، ولينتصروا على أعدائهم، فقد غاب عنهم النصر منذ غاب عنهم الإسلام.
4-المعنويات:
لم تكن معنويات المسلمين في وقت من الأوقات أعلى وأقوى مما كانت عليه أيام فتح مكة، البلد المقدس عند المسلمين الذين يتوجهون إليه في صلاتهم كل يوم، ويحجون بيته كل سنة. وكانت أهمية مكة للمهاجرين أكثر من أنها بلد مقدس، فهي بلدهم الذي هاجروا منه فرارًا بدينهم وخلفوا فيها أموالهم وذويهم وكل عزيز عليهم.
لذلك لم يتخلف أحد من المسلمين عن هذه الغزوة إلا القليل من ذوي الأعذار القاهرة الصعبة.
أما معنويات قريش، فقد كانت متردية للغاية، فقد أثرت فيهم عمرة القضاء، كما أثر فيهم انتشار الإسلام في كل بيت من بيوت مكة تقريبًا، وبذلك فقدت مكة روح المقاومة وروح القتال. ومما زاد في انهيار معنويات قريش، ما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من إيقاد عشرة آلاف نار في ليلة الفتح، ومرور الجيش كله بأبي سفيان قائد قريش أو أكبر قادتها، ودخول أرتال المسلمين في كل جوانب مكة.
لقد كانت غزوة الفتح معركة معنويات بالدرجة الأولى، ما أحرانا أن نتعلمها لحاضرنا ومستقبلنا.
5-السلم:
حرص النبي صلى الله عليه وسلم من خروجه لفتح مكة على نياته السلمية، ليؤلف بذلك قلوب المشركين، ويجعلها تقبل على الإسلام.
وقد عهد عليه الصلاة والسلام إلى قادته حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم. وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مصرًّا على نياته السلمية بعد الفتح أيضًا، فقد أصدر العفو العام عن قريش قائلًا: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وكما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على السلم الجماعي، حرص كذلك على السلم الفردي، فمنع القتل حتى لفرد واحد من المشركين، مهما تكن الأسباب والأعذار.
فقد قتلت خزاعة حلفاء المسلمين رجلا من هذيل غداة يوم الفتح لثأر سابق لها عنده، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب، وقام في الناس خطيبًا، ومما قاله: «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا قدم قاتله، وإن شاءوا فعقله»، أي ديته، ثم ودي بعد ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل رجلا من المشركين أراد اغتياله شخصيًّا وهو يطوف في البيت، بل تلطف معه. فقد اقترب فضالة بن عمير يريد أن يجد له فرصة ليقتله، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم نظرة عرف بها طويته، فاستدعاه وسأله: «ماذا كنت تحدث به نفسك؟» قال: لا شيء، كنتُ أذكر الله! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وتلطف معه ووضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه.
ورأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه مفتاح الكعبة بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال عليه الصلاة والسلام: «أين عثمان بن طلحة؟» فلما جاء عثمان قال له: «يا ابن طلحة، هاكَ مفتاحك، اليوم يوم بر ووفاء».
وقد رأى المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح يتواضع لله، حتى رأوه يوم ذلك ورأسه قد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجم، حتى كادت لحيته تمس واسطة راحلته خشوعًا، وترقرقت في عينيه الدموع تواضعًا لله وشكرًا.
تلك هي سمات الخلُق الإسلامي الرفيع في السلم والوفاء والتواضع، ولكنه سلم الأقوياء لا سلم الضعفاء، ووفاء القادرين لا وفاء العاجزين، وتواضع العزة لا تواضع الذلة.
إن سلم الأقوياء القادرين هو السلام الذي يأمر به الإسلام، أما سلم الضعفاء العاجزين فهو الاستسلام الذي ينهى عنه الإسلام.
ذلك ما ينبغي أن نتعلمه من فتح مكة، لحاضر المسلمين ومستقبلهم، لحاضر أفضل ومستقبل أحسن، وهي عبر لمن يعتبر.

بناء مدينة القيروان

في سنة 50هـ بدأت إفريقية الإسلامية عهدًا جديدًا مع عقبة بن نافع، المتمرس بشئون إفريقية منذ حداثة سنِّه، فقد لاحظ كثرة ارتداد البربر، ونقضهم العهود، وعلم أن السبيل الوحيد للمحافظة على إفريقية ونشر الإسلام بين أهلها هو إنشاء مدينة تكون محط رحال المسلمين، ومنها تنطلق جيوشهم فأسس مدينة القيروان وبنى جامعها، وقد مهد عقبة قبل بناء المدينة لجنوده بقوله: إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزًا للإسلام إلى آخر الدهر.
فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها مرابطين، وقالوا: نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط، فقال عقبة إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها؛ ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون، ولم يعجبه موضع القيروان الذي كان بناه معاوية بن حديج قبله، فسار والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم، وكان موضع غيضة لا يرام من السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: يا أهل الوادي! إنا حالون إن شاء الله، فظعنوا، ثلاث مرات فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطنا بطن الوادي: ثم قال للناس: انزلوا بسم الله، وكان عقبة بن نافع مجاب الدعوة، وقد رأى قبيل من البربر كيف أن الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فأسلموا ثم شرع الناس في قطع الأشجار وأمر عقبة ببناء المدينة فبنيت وبني المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم وتم أمرها سنة 55هـ وسكنها الناس، وكان في الناس، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، فتغير وتنهب ودخل كثيرًا من البربر الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها.
وتم تخطيط مدينة القيروان على النمط الإسلامي، فالمسجد الجامع ودار الإمارة توأمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما دائمًا إلى جوار بعضهما، ويكونان دائمًا في قلب المدينة التي يخطتها المسلمون ويرتكزان في وسطها، وبينهما يبدأ الشارع الرئيسي للقيروان، الذي سيسمى باسم السماط الأعظم، ثم ترك عقبة فراغًا حول المسجد ودار الإمارة في هيئة دائرة واسعة، ثم قسمت الأرض خارج الدائرة إلى خطط القبائل، ليكون استمرارًا للشارع الرئيسي في الاتجاهين إلى نهاية المدينة، وانجفل البربر من نواحي إفريقية إلى القيروان، وسكنوا حولها وكان الكثير منهم دخل في الإسلام، وشرعوا في تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم وأمور دينهم وهكذا نشاهد فيما بين سنتي 50 و55هـ حركة قوية بدأت في تعريبالشمال الأفريقي.
1- الخصائص المتوفرة في موضع القيروان: 
كانت الدوافع السياسية والعسكرية والإدارية والدعوية دوافع قوية في قرار عقبة في اتخاذ موقع القيروان، فقد تميز موقع القيروان بالآتي:
أ- بأنه لا يفصله عن مركز القيادة العسكرية في الفسطاط إي بحر أو نهر، فهو يقع على الطريق البري الذي يربط بين الفسطاط (بمصر) وبين المغرب، ويبدو أن عقبة رحمه الله أخذ بنظرية عمر بن الخطاب في بناء الأمصار والمعسكرات بألا يفصلها فاصل من نهر أو بحر أو جسر عن المدينة أو مركز القيادة، وأن تكون على طرف البر أو أقرب إلى البر والصحراء.
ب- موافقة الموضع لذهنية العرب ومتطلباتهم الضرورية. وتتجلى هذه الخصوصية من خلال قراءة توصية عقبة بن نافع في أن يكون الموضع قريبًا من السبخة: فإن أكثر دوابكم الإبل تكون أبلكم على بابها في مراعيها... وكذلك في الكلمات التي عبر عنها أصحاب عقبة عندما استجمع رأيهم في الموضع المنتخب، إذ قالوا: نحن أصحاب أبل ولا حاجة لنا بمجاورة البحر.
جـ- بأنه يتمتع ببعض الإنتاجات والموارد الذاتية، فالمنطقة التي كان فيها موضع القيروان عبارة غيضة، كما أورد الجغرافيون، وكان مواجهًا لجبال أوراس، معقل قبائل البربر، إذن، فإنه كان في بقعة زراعية تتضمن بعض المحاصيل التي تكفل للمجاهدين المسلمين موردًا غذائيًّا مهمًّا.
د- صحيح أن المشكلة الرئيسية التي جابهتها القيروان بعد اتخاذها كانت متمثِّلة بالموارد المائية، كما هي الحال في مدينة البصرة، مع وجود فارق بين المصرين، فإن مياه البصرة كانت مع الأنهار غير أنها مالحة. أما مياه القيروان الصالحة للشرب فكانت تعتمد على مصدرين، الأول منهما الأمطار حيث كانت تخزن في صهاريج يطلق عليها اسم (المواجل)، وثانيها مياه وادي السراويل في قبلة المدينة؛ لكنه كان مالحًا؛ لذلك فإن بعض المؤرخين حدد مصدر مياه القيروان قائلاً: وشربهم من ماء المطر. إذا كان الشتاء ووقعت الأمطار والسيول دخل ماء المطر من الأودية إلى برك عظام يقال لها (المؤجل).. ولهم وادٍ يسمى وادي السراويل في قبلة المدينة يأتي فيه ماء مالح.. يستعملونه فيما يحتاجونه، ومع ذلك، فإن هذه المشكلة المعقدة يبدو أنها أخذت تتضاءل تدريجيًّا إلى حد ما.
2- القيروان مركز الحضارة الإسلامية بالمغرب وعاصمتها العلمية: 
لم تبدأ الحياة العلمية المركزة إلا بعد تأسيس القيروان سنة 50هـ، فسرعان ما أصبحت القيروان مركز الحضارة الإسلاميةبالمغرب وعاصمته العلمية، منها انطلق الدعاة وإليها رحل طلاب العلم من الآفاق ومما رشح القيروان في هذه المكانة ما يلي:
أ- إن إنشاء مدينة القيروان يعني أن إفريقية أصبحت ولاية إسلامية جديدة وجزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي الكبير، وبالتالي سيعيش المسلمون فيها حياتهم العادية، على رأسها التعليم وبث الثقافة الإسلامية، فإن القيروان مدينة رسالة وعلى أهلها تلقى مسئولية نشر الإسلام في المغرب، فكما كانت منطلق الجيوش الفاتحة، كانت كذلك منطلق الدعاة إلى الأنحاء لنشر الإسلام، وقد شعر الصحابة بهذه المكانة للقيروان منذ تأسيسها.
ب- لقد تم بناء الجامع وهو المدرسة الأولى في الإسلام، ولا شك أن الصحابة الذين كانوا في جيش عقبة قد جلسوا للتدريس فيه على النمط الموجود في مدن المشرق آنذاك، فقد كان مع عقبة أثناء تأسيس القيروان ثمانية عشر صحابيًّا، وقد مكثوا فيها خمس سنوات كاملة كان عملهم فيها، ولا شك، نشر اللغة العربية، وتعليم القرآن والسنة في جامع القيروان؛ وذلك أثناء بناء مدينة القيروان، حيث لم تكن هناك غزوات كبيرة تتطلب غيابًا طويلاً عن القيروان، أما في غزوة عقبة الثانية فقد كان معه خمسة وعشرون صحابيًّا، وسائر جيشه من التابعين، وقد انتشرت رواية الحديث النبوي الشريف في هذه الفترة مما دعا عقبة أن يوصي أولاده من ورائهم جميع المسلمين بتحري حديث الثقات وعدم كتابة ما يشغلهم عن القرآن.
ت- لقد استقطبت القيروان أعدادًا هائلة من البربر المسلمين الذين جاءوا لتعلم الدين الجديد، قال ابن خلدون عند حديثه عن عقبة: فدخل إفريقية وانضاف إليه مسلمة البربر، فكبر جمعه ودخل أكثر البربر في الإسلام ورسخ الدين، ولا شك أن الفاتحين قد خصصوا لهم من يقوم بهذه المهمة. ومن القيروان انتشر الإسلام في سائر بلاد المغرب، فقد بنى عقبة بالمغربين الأقصى والأوسط عدة مساجد لنشر الإسلام بين البربر، كما ترك صاحبه شاكرًا في بعض مدن المغرب الأوسط لتعليم البربر الإسلام، ولما جاء أبو المهاجر دينار لولاية إفريقية تألف كُسيلة وقومه وأحسن إلى البربر، فدخلوا في دين الله أفواجًا ودعّم حسان بن النعمان - فيما بعد جهود عقبة في نشر الإسلام بين البرير حيث خصّص ثلاثة عشر فقيهًا من التابعين لتعليم البربر العربية والفقه ومبادئ الإسلام، وواصل موسى بن نُصير هذه المهمة حيث: أمر العرب أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقّهوهم في الدِّين، وترك في المغرب الأقصى سبعة وعشرين فقيهًا لتعليم أهله.
جـ- كان كثير من أفراد الجيش قد صحبوا معهم زوجاتهم، ومنهم من اتخذ بإفريقية السراري وأمهات الأولاد، قال أبو العرب: روى بعض المحدثين أن عبد الله بن عمر بن الخطاب لما غزا مع معاوية بن حديج كانت معه أم ولد له، فولدت له صبية من أم الولد وماتت، فدفنها في مقبرة قريش بباب سلم، فاتخذتها قريش مقبرة يدفنون فيها لمكان تلك الصبية. ومن هنا كان لا بُدَّ من الاهتمام بتعليم النشء المسلم مبادئ الإسلام واللغة العربية ولذلك فقد نشأت الكتاتيب بالقيروان في وقت مبكر جدًّا، فقد روي عن غياث بن شبيب أنه قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان فيسلم علينا ونحن في الكُتّاب وعليه عمامة قد أرخاها من خلفه، وكان سفيان بن وهب قد دخل القيروان مرتين أولاهما سنة 60هـ أي بعد الانتهاء من تأسيس القيروان بخمس سنوات، والثانية سنة 78هـ.
س- إن الموقع الجغرافي لمدينة القيروان كان له دور كبير في إثراء الحياة العلمية وإنعاشها، فقد كانت في موقع متوسط بين الشرق والغرب يمرّ بها العلماء والطلبة من أهل المغرب والأندلس في ذهابهم إلى المشرق، فيسمعون من علمائها، وكثير منهم يصبح أهلاً للعطاء عند عودته فيسمع منه أهلها، كما كان يدخلها من يقصد المغرب أو الأندلس من أهل المشرق.
ش- لقد كانت التجارة في القيروان رابحة والسلع فيها نافقة ولذلك أمّها كبار التجار من المشرق والمغرب وكثير منهم من المحدّثين والفقهاء، فكان ذلك عاملاً مهمًّا في ازدهار الحياة العلمية بالقيروان.
ص- وممّا أسهم في شراء الحياة العلمية كون القيروان آنذاك هي العاصمة السياسية، ذلك أنّه كلما جاء أمير جديد اصطحب معه مجموعة من العلماء والأدباء، كما أن كثيرًا من المحدثين والفقهاء يفدون إلى العاصمة الإفريقية ضمن الجيوش القادمة من المشرق، التي استمر مجيئها إلى بعض منتصف القرن الثاني، هذا بالإضافة إلى من كان يقصد الأمراء للمدح والتسلية من أهل الشعر والأدب.
ل- كما أن القيروان اكتسبت نوعًا من الاحترام والتعظيم باعتبارها البلد الذي أسسه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهر بها على أيديهم كثير من الكرامات، واستقر بها بعضهم مدة من الزمن، وهي آخر ما دخله الصحابة من بلاد المغرب، كل هذه الأمور هيأت القيروان لدور الريادة العلمية في إفريقية والمغرب حتى وصفها أبو إسحاق الجبنياني قوله: القيروان رأس وما سواها جسد، وما قام برد الشبه والبدع إلا أهلها ولا قاتل ولا قتل على أحياء السنة إلا أئمتها، وقد لهج المؤلفون القدامى بفضل القيروان على سائر بلاد المغرب في المجال العلمي من ذلك ما وصفها به ما قد يشي بأنها: منبع الولاية والعلوم، فهي لأهل المغرب أصل كل خير، والبلاد كلها عيال عليها، فما من غصن من البلاد المغربية إلا منها علا، ولا فرع في جميع نواحيها إلا عليها ابتنى، كيف لا ومنها خرجت علوم المذهب وإلى أئمتها كل علم ينسب ولا ينكر هذا خاص ولا عام، ولا يزاحمها في هذا الفضل أحد على طول الأمد والأيام، وهكذا أصبحت القيروان دار العلم الإفريقية وبرز فيها كبار المحدثين والفقهاء والقراء ورحل إليها أهل المغرب والأندلس لطلب العلم، وقد نافح أهلها عن مذاهب السلف فصارت دار السنة والجماعة بالمغرب، لقد قامت القيروان بدور كبير في فتح شمال إفريقية كله والأندلس ونشر الإسلام في المغرب وأصبحت من أهم مراكز الحضارة الإسلامية.