الأحد، 1 ديسمبر 2013

محمد بن القاسم الثقفي .. فاتح بلاد السند والبنجاب

هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي فاتح بلاد السند والبنجاب، وهي دولة باكستان الآن، التي هي من أكبر البلاد الإسلامية، وتاريخها جزء عزيز من التاريخ الإسلامي الكبير، ويُعتبر محمد بن القاسم الثقفي مؤسِّسًا لأول دولة إسلامية في الهند؛ ولذلك يبقى اسمه شامخًا في سجلِّ الفاتحين الأبطال.
نشأة محمد بن القاسم الثقفي
وُلِدَ محمد بن القاسم الثقفي سنة (72هـ= 691م) بمدينة الطائف في أسرة معروفة؛ فقد كان جدُّه محمد بن الحكم من كبار الثقفيين. وفي سنة (75هـ= 694م) صار الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيَّن الحجاج عمَّه القاسم واليًّا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل محمد بن القاسم إلى البصرة؛ حيث يحكمها والده، فنشأ محمد منذ نعومة أظفاره بين الأمراء والقادة، ثم بنى الحجاج مدينة واسط، التي صارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وامتلأت بسكانها الجدد وقوم الحجاج، وفي هذه المدينة وغيرها من مدن العراق نشأ وترعرع محمد بن القاسم الثقفي وتدرَّب على الجندية؛ حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعدُ 17 عامًا من العمر.
وكان محمد بن القاسم الثقفي يسمع كثيرًا عن بلاد السند، ولم تكن تلك البلاد في ذلك الحين غريبة على المسلمين؛ فقد كان لهم فيها سابقة من غزوات في عهد الخليفة عمر والخليفة عثمان بن عفان، ثم زاد اهتمام العرب ببلاد السند حين قامت الدولة الأموية على يد الخليفة معاوية بن أبي سفيان في سنة (40هـ= 661م)، حتى نجح في فتح إقليم مهمٍّ بتلك البلاد؛ وهو إقليم مكران، الذي كان يحكمه الولاة الأمويون بعد ذلك بصفة مستمرَّة.
عدوان قراصنة السند
حدث في سنة (88هـ= 707م) أن سفينة عربية كانت قادمة من جزيرة الياقوت (بلاد سيلان) وعليها نساء مسلمات، وقد مات آباؤهنَّ، ولم يبقَ لهنَّ راعٍ هناك، فقرَّرْنَ السفر للإقامة في العراق، ورأى ملك سيلان في ذلك فرصة للتقرُّب إلى العرب فوافق على سفرهنَّ، بل حمَّل السفينة بهدايا إلى الحجاج والخليفة الوليد بن عبد الملك، وبينما كانت السفينة في طريقها إلى البصرة مارَّة بميناء الديبل ببلاد السند، خرج قراصنة من السند واستولَوْا عليها. وعندئذٍ كتب الحجاج إلى ملك السند يطلب منه الإفراج عن النساء المسلمات والسفينة، ولكنه اعتذر عن ذلك بحجَّة أن الذين خطفوا السفينة لصوص لا يقدر عليهم، فبعث الحجاج حملتين على الدَّيْبُل؛ الأولى بقيادة عبيد الله بن نبهان السلمي، والثانية بقيادة بُدَيْل البجلي، ولكنَّ الحملتين فشلتا، بل قُتل القائدان على يد جنود السند. ووصلت الأخبار إلى الحجاج أن النساء المسلمات والجنود العرب مسجونين في سجن الديبل، ولا يُريد ملك السند الإفراج عنهم عنادًا للعرب، وهنا كانت الأسباب تُلِحُّ على الحجاج في إرسال جيش كبير لفتح تلك البلاد، التي كان قراصنتها يُضايقون السفن العربية التجارية المارَّة بين مواني البلاد العربية ومواني بلاد الهند.
قيادة محمد بن القاسم وفتوحاته
فتح الديبل وبلاد السند
قرَّر الحجاج فتح بلاد السند كلها، وقد وقع اختياره على محمد بن القاسم الثقفي ليقود الجيش، وجهَّزه بكل ما يحتاج إليه في ميدان القتال، وتحرَّك البطل محمد بن القاسم بجيشه المكوَّن من ستة آلاف مقاتل من العراق إلى الشِّيراز في سنة (90هـ= 709م)، وهناك انضمَّ إليه ستة آلاف أخرى من الجند، وبعد استكمال الاستعدادات في شِيراز انطلق محمد بن القاسم ومعه اثنا عشر ألف مقاتل إلى الشرق، حتى وصل مُكْرَان، ثم توجَّـه منها إلى فنزبور، ثم إلى أَرْمَائِيل، ثم هجم المسلمون على مدينة الدَّيْبُل فاقتحموا أسوارها فدخلها ابن القاسم، وبعد فتح مدينة الديبل -أحصن مدن السند- واصل محمد بن القاسم سيره، فكان لا يمرُّ على مدينة إلَّا فتحها وهدم معابد الوثنية والبوذية بها، وأقام شعائر الإسلام، وأسكنها المسلمين، وبنى المساجد حتى غَيَّر خريطة البلاد تمامًا، وصبغها بصبغة إسلامية تامَّة.
استطاع محمد بن القاسم أن يبهر الهندوس بشخصيته القوية الحازمة، وقد تعجبوا من شجاعته وحُسن قيادته لجيش كبير وهو دون الثامنة عشر، وبالفعل أسلم عدد كبير من الزُّطِّ وهم من بدو الهنود, وانضمَّ منهم أربعة آلاف رجل يُقاتلون مع محمد بن القاسم, وكان لهم أثر كبير في القتال لخبرتهم بالبلاد ومعرفتهم بلغة الهنود.
ثم إن محمد بن القاسم سار إلى البيرون (وهي حيدر آباد حاليًا) فتلقَّاه أهلها وصالحوه كذلك، وكان لا يمرُّ بمدينة إلَّا فتحها صلحًا أو عَنوة، وتوَّج ذلك كله بالانتصار على داهر ملك السند، ومضى يستكمل فتحه، فاستولى على حصن راوَدْ، ثم برهماناباذ، والرور وبهرور، ثم اجتاز نهر بَيَاس وعبر إلى إقليم المُلْتَان، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب.
واستمرَّ ابن القاسم في مسيره حتى وصلت فتوحاته إلى حدود كشمير؛ وبذلك استطاع محمد بن القاسم أن يُخضع السند لحكم الخلافة الإسلامية في مدَّة لم تتجاوز ثلاث سنوات فقط، واستمرَّ محمد في فتوحاته لبقية أجزاء بلاد السند حتى انتهى منها سنة (96هـ= 715م)، وبذلك قامت أول دولة عربية في بلاد السند والبنجاب، ولقد جاءته قبائل الميد والجات والزُّطِّ تقرع الأجراس فرحة هاتفة، مُرَحِّبَة به لأنه محرِّرهم من ظلم الهندوس واستعبادهم.
وقد كان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قُورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء.
نهاية محزنة لمحمد بن القاسم
لما كان محمد بن القاسم الثقفي يُفَكِّر في أن يتوجَّه بجيش الفتح إلى حدود بلاد الهند، وصله أمر الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك بالتوجُّه إلى العراق، فرضخ الشاب المؤمن لقضاء الله، وهو يعلم أن مصيره الهلاك، لا لذنب اقترفه؛ ولكن لسوء حظٍّ وقع فيه، بسبب بعض تصرُّفات سياسية من قريبه الحجاج، واستعدَّ الفتى الحزين للسفر، فخرجت الجموع الحاشدة لتوديعه باكية حزينة، لم يكن العرب وحدهم يبكون على مصيره؛ بل أهل السند من المسلمين، حتى البرهميون والبوذيون كانوا يذرفون الدموع الغزيرة، ويرجونه أن يبقى في بلاد السند، وسوف يقفون خلفه إذا دقَّ الخطر بابه، ولكنَّ نفسه الأبية رفضت مخالفة أمر الخليفة.
ووصل محمد بن القاسم إلى العراق، فأرسله والي العراق صالح بن عبد الرحمن مقيدًا بالسلاسل إلى سجن مدينة واسط بسبب عداوته للحجاج، وهناك عذَّبه شهورًا بشتَّى أنواع التعذيب؛ حتى مات البطل الفاتح في سنة (96هـ= 715م).
إن البطل محمد بن القاسم الثقفي فاتح بلاد السند، يُعتبر من أعظم الأبطال في التاريخ الإسلامي، إنه بطل بما تحمله كلمة البطولة من معانٍ، وقد أودع الله –عز وجل- بين جنبيه نفسًا بعيدة المطامح لخدمة الإسلام.

الحب في ظلال بيت النبوة

الحب في ظلال بيت النبوة
الحب في ظلال بيت النبوة
من الخطأ في حقِّ الحب الطاهر والعفيف أن نبحث عنه في غير مظانِّه، وأن نحرص على تعلُّمه عند غير أهله، فالحب أكبر من أن يبدأ من مكالمة هاتفيَّة عابرة، بل خاطئة، وأسمى من أن تكون المسلسلات والأفلام مدرسته، وميدانَ تعلُّمه، وهو أطهر وأنقى من أن نبحث عن معانيه الراقية في ثنايا قصيدة لشاعر ماجنٍ لا يتقيَّد بشيء.
ولأنَّ ديننا الحنيف دين الجمال والروح والعقل والبدن، فلا بد أنه سيعطي موضوع الحب قدرًا من الاهتمام.
فقد شغل البشر قديمًا وحديثًا، ومثَّل قضيةً عامةً في جميع المجتمعات، فكان الحب الذي يصون كرامة المرأة وعفافها، ويكرم الرجل ويحفظ مكانته، بعيدًا عن اللعب واللهو والعبث باسم الحب، والتشبه بالضائعين والضائعات.
فلسنا بحاجةٍ إلى الحب بالمعنى المستورد من المجتمعات المتفككة والعابثة والبعيدة عن قوانين السماء مهما كانت دعاواهم.
تعالوا نتعرف عن الحب في حياة أتقى وأنقى الخلق محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- لنعرف أين نحن منه، وكم حرمنا أنفسنا من حقيقة الحب:
كان يُقبِّل أهله وإن كان صائمًا، وإذا شربت حبيبته من إناء تعمَّد أن يضع فمه على موضع فمها، وإذا كان في سفر مع من يحب، استغل الفرصة للمسابقة فسُبق وسَبق، وكان يغتسل معها من إناءٍ واحدٍ تختلف فيه أيديهما، وإذا زارته في متعبَّده عند اعتكافه عاد معها مرافقًا مؤنسًا، وإذا أراد سفرًا لا يخرج بدون إحدى زوجاته وحبيباته، وإذا كان معهم في بيته كان في مهنتهم يساعدهم ويلاطفهم ويؤنسهم، يذبح الشاة فيذكر حبيبته التي سبقته إلى الآخرة، فيرسل لصواحبها وفاءً وحبًّا..
تأتي عروسه لتركب فيعد ركبته؛ لتعتمد عليها فتصعد مركبها، ولم يضرب بيده امرأةً قط، وقد جمع تسع نسوة، وكان يمازح ويداعب، ويستمع الشكوى، وينصت إلى القصص، ويعطي أهله فرصة النظر إلى الألعاب، وهو الذي يسترهم، ولا يترك حتى يشبعوا، وإذا سُئل عمن يحب صرَّح باسمها دون تحرج أو تردد، فالحب مما لا يمكن إخفاؤه.
عاش الحب في واقِعِه، وعاش ذكرياته، حتى قالت حبيبته: "ما غِرتُ على امرأة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما غرت على خديجة؛ لكثرة ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياها وثنائه عليها"، فقد ظل يعيش ذكريات أول حبيبة في حياته، ولو بعد وفاتها بسنين، ومع مجيء غيرها ومنافساتهن لها.
عاش الحب ودعا غيره له، فقال: "خيركم خيركم لأهله"، "ولا يفرك مؤمن مؤمنةً"، "واستوصوا بالنساء خيرًا"، ويشير إلى أن يضع الرجل اللقمة في فِي امرأته، ويحض على الملاعبة المتبادلة، ويراعي المشاعر، فيحث على الرفق بالقوارير تشبيهًا لطيفًا وحثًّا جميلاً.
هذا الحب الطاهر العفيف كان يجري في ميدانه الفسيح ومكانه الآمن في حديقة الزواج الوارفة، وبيت الزوجية التي تنعم بظلال الحب، فتأتي السعادة إليه راغبةً أو راغمةً.
ومن هذه المدرسة، ومن هذا الأستاذ ينبغي أن نتعلَّم الحبَّ بعيدًا عن التلاعب بالعواطف، والتقليد الأعمى لمن لا تحكمهم ضوابط، ولا تردعهم أخلاق، ولا يفرقون بين ما يصح وما لا يصح.
فصلى الله على خير الناس لأهله، وعلى من سار على نهجه، واقتفى أثره، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب .. انتصارات السرداب !!

الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب
الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب
"انتصارات السرداب"!!
= خامنئي انتصر!!
* على من انتصر خامنئي؟
= -هنا يبدأ الهمس ويأتي الجواب بصوت مبحوح-: على "الشيطان الأكبر" سابقًا!!
* لكنكم لم تحاربوا أمريكا أبدًا حتى عندما ضربت لكم ناقلات نفط وأسقطت طائرة مدنية؟
= كيف يجرؤ حزب الشيطان الأكبر على محاربة ولي صاحب الزمان عجل الله فرجه والإمام سلام الله عليه هو ولي الله؟
* جميل.. ما دمتم هزمتم أمريكا بلا حرب ومرغتم أنفها بالتراب فلمَ لا يظهر "مهديكم" ويغادر سردابه؟
= أنت منافق ناصبي من أتباع الشيطان الأكبر ومستاء من انتصارنا على سيدك!!
واضحٌ لكل عاقل أن ما سبق ليس حوارًا جرى فعلاً؛ لكنه تعبير تقريبي لحال ملالي قم في هذه الأيام، وفضح لعرسهم المهزلة الذي ينخرط فيه القطيع الأحمق مغسول الأدمغة، كما يتم فرضه على المترددين والمشككين في خرافة الولي الفقيه بل وفي خرافته المسردبة أصلاً.
فلن يعجز الكهنة عن تزوير نصر لا وجود له، وهم الذين افتروا أسطورة شخص لا وجود له، ثم أقاموا فوقها دينًا عجيبًا، استمر منذ اثني عشر قرنًا لأسباب يعلمها كل من يتعمق في عقائد القوم ويتبصر في بنية المجوسية التي تخفت وراء قناع محبة آل البيت لتدمير الإسلام من داخله، ولتمزيق أمته بشعار يمكن الترويج له في بيئات الجهل والغفلة والفقر، على غرار حلفائهم المنصرين تمامًا.. وكيف لا "ينجح" أحبار النار في بناء قبة على كذبة، وهم يجزمون بأن الكذب تسعة أعشار دينهم؟
نحن لدينا قراءة تختلف جذريًّا عن مجمل الخطاب الإعلامي السطحي السائد، وقد عبرنا عنها مرات ومرات منذ سنوات، لكننا اليوم سنغض النظر عن تلك الحقائق بالرغم من انكشاف كثير منها بحسب ما كنا نؤكد، وسوف نقرأ صفقة الملف النووي الإيراني قبل أيام بحسب التضليل الصفوي ذاته، لكي يتبين مدى "الصدق" في الدعاوى الإيرانية.
في ما يشبه تقاسم أدوار انتهت مفاوضات مجموعة 5 + 1 وملالي قم (المجموعة المذكورة تضم الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا!!) انتهت بتصريحين متناقضين: أمريكا تقول بلسان وزير خارجيتها جون كيري: طهران لن تخصب اليورانيوم، وطهران تقول عن طريق رئيس وفدها المفاوض ثم رئيس الجمهورية حسن روحاني ثم خامنئي شخصيًّا: أقر العالم بحقنا في التخصيب داخل أراضينا!!
فمن نصدق وكلا الطرفين لا يرى في الكذب بأسًا: الغرب يبيح الكذب إذا كان فيه "منفعة" للبلد، والمجوس الجدد يتقربون بالكذب بسبب وبلا سبب..
التجربة تقضي بأننا مضطرون إلى تصديق مبيح الكذب وليس من يوجبه، ليس بالتشهي؛ وإنما لأن الكذب المسموح به في ثقافة الغرب الذرائعية هو الكذب على الأمم الأخرى، ولا مانع منه في البلاد نفسها ما لم يكن عليه دليل يورط صاحبه قضائيًّا.. لذلك فإن كيري لن يكذب ليس عن عفة؛ وإنما لئلا يقضي بيديه على حاضره ومستقبله السياسي.
وأما في دولة المجوس الجدد فإن خامنئي "معصوم" ينوب عن "معصوم" فأي مجنون سيجرؤ على رفع صوته بسؤال؛ فكيف بمناقشة أو محاججة، أو تشكيك في كلام خامنئي؟ ألم يفرض "فوز" نجاد في انتخابات 2009م من عنده؟
لقد ترك الشيطان الأكبر لملالي قم أن يقيموا الأعراس وأن يتشدقوا بانتصار تاريخي؛ فالغرب لا يعنيه إلا ما يحصده، وأما ضجيج العملاء فلا يشغل باله.. وما المشكلة إذا تطلبت مصالح الغرب المتحققة السماح لوكلائهم المحليين بفخر مفتعل لا يسمن ولا يغني من جوع؟ بل إن تأريخ الغرب في هذا المضمار يتيح للعميل أن يشتم "سيده" الغربي ويهجوه ابتداء من "ثورة يوليو الأمريكية" بحسب تسمية صاحب القلم الرائع محمد جلال كشك، وانتهاء ببشار الأسد!!
إن اللعبة الغربية الخبيثة هنا قامت على التلاعب بالمصطلحات، فهم تركوا للملالي إمكان التخصيب بمعدلات تتراوح بين 3.5 و5%، وهي معدلات مقبولة من البداية.
والمثير للسخرية أن واشنطن -بحسب التصريحات- سبق لها أن عرضت على طهران من قبل صفقة أفضل من هذه التي أُبْرِمَتْ في جنيف أخيرًا..
بالطبع سوف يتوقف البعض عند المأتم الذي يصطنعه اليهود بزعامة نتنياهو؛ إذ يتظاهرون برفض الصفقة ويزعمون أن إيران حققت ما تريد، وأن الغرب فشل في لجم أطماعها! وهذا العبث المسرحي متعمد لأنه يعطي "انتصار" خامنئي وجاهة لدى القطعان التي تسير وراءه مغمضة العينين مغلولة اليدين!!

الأسباب المانعة من الشفاعة

أملٌ أشبه بالأماني، يظنُّ فيه البعض أن باب الشفاعة الذي فتحه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين رحمةً بهم، أنه بابٌ يدخله الجميع دون قيدٍ أو شرط، ويتصوَّر فيه فئامٌ من الناس عدم وجود إطارٍ يُحدِّد الصفاتَ والشروطَ التي يستحق بها صاحبها نيل الشفاعة، وربما جرَّ هذا القصور في التصوُّر بعض العصاة إلى الإسراف في المعاصي، والتساهل في المحرَّمات.
وهذا ليس بصحيح، فإن ثمة أمورًا تمنع صاحبها استحقاق الشفاعة يوم القيامة، وتحرمه من نيل فضلها، فلا بُدَّ إذن من تسليط الضوء على تلك الموانع حتى يبقى المرء في كمال الطهارة والسلامة منها، ويمكن حصر هذه الأسباب فيما يلي:
أولاً: التلبُّس بالشرك: 
الشرك مانعٌ من حصول الشفاعة لصاحبها؛ ذلك أن مقتضى الشفاعة حصول الصفح والتجاوز عن المشفوع له، والله سبحانه وتعالى قد أخبر عن نفسه أنه لن يتجاوز أبدًا عمَّن تلبَّس بالشرك وخالط الكفر فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، والشرك محبطٌ للعمل مبطلٌ له، فمهما عمل صاحبه من أعمال فلن تُقبل منه، وستكون هباءً منثورًا: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].
وإنما ينتفع بالشفاعات الثابتة من كان على حالٍ من التقصير والزلل والمعصية، لا سيما أهل الكبائر والموبقات، فعسى الله أن يعفو عنهم ويتجاوز عنهم بشفاعة الشافعين، أما أهل الشرك وأصحاب المعتقدات الكفريَّة فلن تنفعهم شفاعة أحدٍ مهما علت منزلته عند ربِّه، قال الله تعالى واصفًا أهل النار: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، وقال سبحانه: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18].
ثانيًا: ظلم الإمام للعباد، والغلو في الدين: 
ويدلّ على هاتين المسألتين حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَنْ تَنَالَهُمَا شَفَاعَتِي: إِمَامٌ ظَلُومٌ، وَكُلُّ غَالٍ مَارِقٍ". رواه الطبراني في المعجم الكبير، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
ويمكن تلمُّس تأثير هاتين الصفتين في الحرمان من الشفاعة بأن نقول: إن الأصل في الإمام أن يرعى حقوق رعيّته؛ لأنه المستخلف في إقامة شرع الله ومنهجه بكافّة صوره وتشريعاته، وأصل الشريعة وعمودها: إرساء قواعد العدل؛ ولذلك كان الإمام العامل بمقتضى العدل في رعيَّته أحد السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ". رواه البخاري.
ويُقال أيضًا: إن الظلم صفةٌ ذميمة لا يُجْتنى منها سوى الفساد والفتن، والبلايا والمحن، والشرور والسيئات، وهي ظلماتٌ يوم القيامة، وما كان هلاك الأمم والقرى إلا لأجله، فإذا كان هذا حال ظلم الأخ لأخيه، فكيف إذا كان الظلم واقعًا على أمَّةٍ بأسرها، وشعبٍ بأكمله؟ وكيف يستحقُّ التجاوز والشفاعة من كان هذا حاله مع رعيَّته؟
وتدلُّ السنة النبويَّة على أن الظلم منافٍ للأخوَّة الإسلاميَّة، كما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ". رواه مسلم، والجائر من الولاة والأئمة لم يعمل بمقتضى هذه الأخوَّة، فلم يستحق الشفاعة لذلك.
ولا شك أن الغلو في الدين مذموم والتشديد فيه غير محمود، لأنَّه خروجٌ عن منهج الاعتدال الذي اتصفت به الشريعة الربَّانية، وقد نهى الله سبحانه وتعالى وحذَّر أهل الكتاب من الغلو في أي ناحية من نواحي الدين العقائدية والتشريعية فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171]، ونهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ". رواه ابن ماجه.
ثالثًا: التكذيب بالشفاعة: 
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ". رواه الآجري في "الشريعة"، وصحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح، ومثل هذا لا يُقال بالرأي، فالذين يُبطلون الشفاعة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويُنكرون المقام المحمود الذي يبعثه الله يوم القيامة وينفونها عنه، لن تنالهم شفاعته عليه الصلاة والسلام.
رابعًا: الإحداث في الدين:
دلَّت النصوص على أنها تمنع من ورود الحوض يوم القيامة، فلا تنفع معه شفاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 118]". متفق عليه.
ومن المناسب ذكر بعض الأمور المانعة للشفاعة؛ لكن ليس فيها مستندٌ معتمد من حديثٍ صحيح، وهي ما جاء حول غش العرب، وفيه حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ غَشَّ العَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي". فقد رواه الترمذي وقال: "حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق، وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي"، وقد أنكر الحفَّاظ أحاديث هذا الراوي، كما ذكر من أعلَّ الحديث.
ويُقال في الحديث السابق: إن الغشَّ مذمومٌ شرعًا، وصاحبه مرتكبٌ لكبيرةٍ من كبائر الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". رواه مسلم، وهذا التحريم إنما ثبت في النصوص على وجه العموم، أما إثبات الخصوصيَّة في غشِّ العرب من ناحية الحكم، وجعلها مناطًا للحرمان من الشفاعة النبويَّة يوم القيامة، وسببًا للمنع منها، فهذا ما لا ينبغي إثباته إلا بالنص الصحيح.

ليبيا والخطيئة السياسية الكبرى

رئيس الوزراء الليبي علي زيدان
رئيس الوزراء الليبي علي زيدان
أصاب رئيس الوزراء الليبي في اعتباره الأحداث الأخيرة في العاصمة طرابلس حاسمة في تاريخ ليبيا وفي نجاح الثورة.
لا ينكر أحد على الليبيين نضالهم ضد استبداد معمر القذافي، كما لا ينكر أن بعض المدن كمصراتة وبنغازي دفعت أثمانًا باهظة لمعارضتها الطويلة للدكتاتور الراحل من دماء أبنائها، ومن الاستهانة والتحقير والتجاهل لها على مدى عقود طويلة.
لكن لا ينكر عاقل -أيضًا- أن الاستبداد عامٌّ وشامل ولا يوفِّر أحدًا، لا مدينة ولا قبيلة ولا حزبًا سياسيًّا من بطشه وقمعه، وأن استقواءه بجهة أو قبيلة أو اتجاه لا يقصد منه سوى التفريق بين أبناء الوطن الواحد ومنع وحدتهم.
وعلى الرغم من أن طرابلس كانت تحت الوطأة الكبيرة لقوات الدكتاتور فقد تحدَّته بالتظاهرات، وثارت عليه مناطق عديدة منها، وقد تحمَّلت الكثير من القسوة والبطش مثلها مثل غيرها من مدن ليبيا وجهاتها القاصية والقريبة.
خاضت الميليشيات التي تشكلت دفاعًا عن الثورة نضالاً بطوليًّا ضد النظام القديم، ولولا الدعم السياسي والعسكري الذي حصلت عليه من رأسماليين وطنيين ليبيين، ثم من الشرعية الدولية لكانت خسائر هذه الميليشيات والليبيين أكبر بكثير.
يحقُّ لهذه الميليشيات أن تفخر بدورها الذي صنعته في نجاح الثورة الليبية، وكذلك في التأكد من تثبيت شرعية ثورية جديدة، وهو أمر حصل في كل ثورات المعمورة؛ لكن الإشكالية الكبرى أن هذه الميليشيات التي توحَّدت تحت علم واحد أثناء الثورة عادت بعد الثورة إلى مخاوفها ومصالحها الجهوية والقبلية القديمة.
بين الحفاظ على مكتسبات الثورة وبين القتال من أجل مصالح جهوية أو قبلية أو تأويلات سياسية ضيقة فرقٌ كبير، وفي هذا الفاصل الذي يفصل بين هذين الاتجاهين يكمن صمود الثورة أو انفلاتها نحو معارك فردية وشخصية تدافع عن دكاكين وزوايا لا عن بلد وشعب.
توجيه السلاح ضد متظاهرين مدنيين لا يمكن القبول به من جيش البلد أو شرطته، وهو إيذان بسقوط شرعية أية سلطة وطنية وثورية كانت أم فاسدة وتابعة، أما ارتكابه على يد ميليشيا عسكرية ينتمي أفرادها إلى مدينة أخرى غير طرابلس ضد أهل المدينة نفسها فإجرام وخطيئة سياسية عظمى لا يمكن أن تغتفر وهي تدفع ليبيا والليبيين نحو خيارات قصوى.
دعوة كبار مسئولي مدينة طرابلس لتنظيم احتجاجات في الشوارع وإغلاق المحال التجارية والمدارس والجامعات للضغط على الحكومة كي تطرد رجال الميليشيات المسئولين عن قتل 45 شخصًا على الأقل هي لجوء للعقل والعمل السلمي والمدني لإيقاف ظاهرة أمنية خطيرة يجب أن تتوقف.
إخراج الحكومة الليبية للميليشيات الليبية التي دخلت طرابلس بعد الثورة سيكون مهمتها الكبرى لتُثبت لليبيين أنها قادرة على الحفاظ على أمنهم وأرواحهم وقادرة على فرض القانون والنظام اللذين هما عماد أية سلطة.
لن يكون تنفيذ المهمة سهلاً؛ لكن بناء ليبيا يحتاج لقرارات كبيرة، ويحتاج لحنكة ودبلوماسية كبيرتين، كما يحتاج إلى حزم وإرادة صارمة.
أثبت الشعب والنخبة الليبيان قدرة على استيعاب تحولات العصر؛ ولكن الإشكالات السياسية والعسكرية الكبيرة ما تزال تقف عقبة أمام الخروج من الإرث الدكتاتوري البغيض والدخول في عصر المدنية والديمقراطية.

مسارات الطغاة في القرآن الكريم

مع الاعتراف بأن القرآن الكريم في الأصل هو كتاب هداية للبشرية، وقد اهتم ببيان وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وطاعته، ونبذ عبادة الأوثان والطواغيت التي كانت وما زالت منتشرة في الأرض، إلا أنه مع ذلك اشتمل على جميع نواحي الحياة الإنسانية الدينية والدنيوية، ففيه أحكام الحلال والحرام والسلم والحرب، كما أن فيه من قصص الأمم والأفراد ما يعد كنزا إنسانيا ثمينا، يمكن أن تستخلص منه العبر والمواعظ لمعالجة أزمات كل زمان ومكان.
ولعل من أبرز ما يعانية العالم في وقتنا المعاصر هو الطغيان والظلم والجبروت، المتمثل بنماذج مكرورة من الطغاة والمتألهين، ممن يعيدون إلى الذاكرة بطغيانهم قصص فرعون وهامان وقارون والنمرود التي ذكرت في القرآن الكريم، ليأكد الواقع المعاصر مرة بعد أخرى صلاحية القرآن للتطبيق في كل زمان ومكان، فالتشابه والتطابق الكبير بين مسارات وتصرفات الطغاة التي ذكرت في القرآن الكريم، وبين تصرفات ومسارات الطغاة المعاصرين تنبئ عن توافق وتطابق منقطع النظير.
لقد ذكر القرآن الكريم مسارات وأفعال الطغاة في أكثر من موضع، فذكر شيئا من طغيان النمرود الذي مكث في الملك والحكم 400 عام كما قال ابن كثير، وذلك بأقواله وأفعاله في سورة البقرة و البروج، كما ذكر الله تعالى قصة طغيان فرعون في أكثر من سورة، ولكن الموضع اللافت والبارز في هذا الأمر هو ما ورد في سورة القصص، والذي سنجعله أنموذجا في هذا المقال لمسارات وأفعال الطغاة في كل زمان ومكان.
لقد سار الطغاة على اختلاف الأزمنة والعصور على هذه المسارات التي ذكرها القرآن الكريم في سورة القصص، وهي تمثل أنموذجا لسلوك وطريقة الطغاة في استعباد الناس وقمع تطلعاتهم، دون اختلاف أو تغيير إلا في الوسائل والأساليب التي تتطور وتتغير مع تبدل الزمان، وهذه المسارات ملخصة في آيات من سورة القصص، سأحاول تناولها بشيء من التفصيل، مع بيان أن إرادة الله تعالى وسنته هي الباقية والماضية في نهاية المطاف.
قال تعالى في سورة القصص: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون} [القصص:4-6].
1- إن أولى مسارات الطغاة كما ذكرها القرآن الكريم هو العلو والاستكبار، وهو القاسم المشترك والصفة الجامعة بين جميع الطغاة في كل زمان ومكان، فقد ذكر الله تعالى علو فرعون في بداية سورة القصص {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}، أي تكبر وتجبر وطغى، كما ذكر استكباره في موضع آخر من نفس السورة: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} [القصص:39]، كما ذكر الله استكبار إبليس على أمر الله له بالسجود لآدم، في إشارة إلى مشابهة الطغاة لأفعال الشيطان في هذا الجانب.
لقد وصل علو فرعون وأمثاله من الطغاة في كل عصر إلى ادعاء الألوهية والربوبية من دون الله تعالى، فها هو فرعون يقولها صراحة لقومه حين أرسل الله تعالى له موسى ليدعوه لعبادة الله وحده: {....فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24]، كما ادعى الألوهية في موضع آخر: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38].
وها هو النمرود يدعي لنفسه القدرة على القيام بأفعال الإله، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].
وفي حين ظن الناس بعد قرون من زوال ملك الطغاة القديم أنه لم يعد هناك من يستطيع ادعاء الألوهية أو الربوبية في العصر الحديث، ظهرت بعض الأقوال والأفعال التي تعيدنا إلى عصور الظلام والطغيان، من خلال تمجيد وتعظيم بعض البشر الذي وصل إلى حد السجود والعبادة والتأليه، والذي نشر على مواقع اليوتيوب وغيرها.
وإذا كان ظهور ذلك التأليه والتعظيم لبشر من دون الله مستهجنا في بلاد يدين شعوبها بتوحيد الله وعبادته سبحانه وتعالى، فإن طغيان الغرب وعلوه واستكباره على العالم العربي والإسلامي يبدو أمرا متوقعا، نظرا للعداء المتأصل في نفوس أولئك للإسلام وشريعته، وهو ما يدل على تطابق مسار الطغاة وأفعالهم في كل زمان ومكان.
2- {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} أَيْ فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي الْخِدْمَةِ كما قال ابن كثير في تفسيره ، يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، فلا يملك أحد منهم مخالفته، وقد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته، وقد أغرى بينهم العداوة والبغضاء كي لا تتفق كلمتهم ولا يتفرغون للتفكير فيما يقلقه ويهز عرشه من تحته، فيظل هو مطلوبا من الجميع، ويكون الجميع له أطوع.
وهذا فعل كل طاغية يريد السيطرة والاستبداد والتحكم في كل زمان ومكان، يجعل الناس في دولته فرقا وطوائف يوالي بعضهم ويعادي الآخرين، ويوحي لحاشيته وأعوانه بأنه الحامي لهم والحافظ لحقوقهم ووجودهم، بينما الحقيقة أنه يفعل ذلك حفاظا على استمرار ملكه واستبداده، فإذا ما جد الجد وجاء وعد الله تعالى في زوال ملكه وانتهاء حكمه، ضحى بأتباعه وأعوانه بإلقائهم إلى التهلكة، بينما يلتفت هو إلى خاصة نفسه ومحاولة النجاة من الموت المحتم الذي ينتظره، وهذا ما حصل مع فرعون تماما، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90].
3- {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} وهم بنو إسرائيل في هذا الموضع كما قال المفسرون، يستعملهم في أخس الأعمال، ويكُدُّهُم ليلا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته كما قال ابن كثير، دون أن يكون لهم بعد كل ذلك إلا الجوع والتعب والنصب، والذلة والمهانة والاحتقار.
وإذا كان فرعون قد استضعف بني إسرائيل في ذلك الزمان وقد كانوا أقلية فمن المعلوم أن بني إسرائيل جاؤوا إلى مصر واستوطنوها بعد أن جاءها يوسف عليه السلام واستقرَّ به الأمر حتى صار على خزائنها ، ثم جاء إخوته لأخْذ أقواتهم من مصر، ثم استقروا بها وتناسلوا إلا أنهم احتفظوا بهويتهم فلم يذوبوا في المجتمع القبطي، فإن بعض الطغاة في العصر الحديث يستضعفون الأكثرية والأغلبية من شعوبهم، مما يعني أنهم فاقوا فرعون في العتو والاستكبار والاستعباد.
وإذا كان فرعون قد حرم هذه الأقلية من أي استفادة من خيرات مصر أو من نتاج عملهم ونصبهم في أرضها، فكانوا حفاة عراة وفقراء، فإن طغاة العصر الحديث يحرمون الأكثرية من شعوبهم أيضا من خيرات بلادهم وأموالها، رغم أنهم أصحابها الحقيقيون ومنتجوها الفعليون، فما أشبه الأمس باليوم وما أدق وأصدق كلام الله تعالى في هذا الوصف العظيم للطغاة والمفسدين.
4- {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَهَنَةَ قَالُوا لَهُ: إِنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلَى يَدَيْهِ كما قال القرطبي، بينما نسب ابن الكثير هذا الأمر للقبط الذين تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته مَن يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تتحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل.
وهذه سمة من أبرز سمات وأفعال الطغاة في كل زمان ومكان، حيث التنكيل والتعذيب والإجرام بحق النساء والأطفال بأبشع صوره وألوانه، وما الدماء التي تجري اليوم في العالم أجمع من قبل طغاة هذا العصر وجبابرته إلا صورة مشابهة للفرعونية الإجرامية المذكورة في القرآن الكريم وربما تزيد.
ورغم كل هذه الأفعال الإجرامية التي قام بها فرعون وجنوده وأتباعه، والتي يقوم بها طغاة العصر وعتاته، ورغم الحذر الشديد منه ومن كل واحد منهم على عدم وقوع ما حذر منه وأنذر، إلا أن ذلك لم ينفعه من وقوع أمر الله تعالى وقدره، وهل ينفع حذر من قدر؟!! فأجل الله إذا جاء لا يؤخر، ومغالب الله مغلوب ولكل أجل كتاب، وسنة الله تعالى في هلاك الطغاة والظالمين ماضية في خلقه لا تتبدل ولا تتغير، وهذا ما جاءت به الآيات الكريمات التي تعتبر ردا قرآنيا على مسارات وأفعال الطغاة في كل زمان ومكان : {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون}
فمقابل كل واحدة من مسارات الطغاة وأفعالهم الخمسة (العلو والتفريق والاستضعاف والذبح والاستحياء) مسار إلهي يدحضه ويواجهه بإرادة الله تعالى التي لا ترد ولا تصد، في المن والإنعام على المستضعفين في الأرض وجعلهم أئمة وملوكا ووارثين لحكم الجبابرة والطغاة والمستبدين، والتمكين لهم في الأرض ما داموا صالحين فيها ومصلحين.
فهل يعي الطغاة والمفسدون في الأرض هذه النتيجة الحتمية التي تنتظرهم ؟! وهلا أيقن المؤمنون بموعود ربهم وسننه في خلقه التي لا تتبدل ولا تتحول ؟!

عدم الثقة بأوباما وعدم الاطمئنان لألاعيب إيران !

أوباما وروحاني
أوباما وروحاني
لو لم تطلق اتفاقية تدمير الأسلحة الكيماوية يد الرئيس السوري بشار الأسد وتفتح له المجال واسعًا للاستمرار في ذبح الذين من المفترض أنهم أبناء شعبه، والاستمرار بإبادتهم، لما كانت كل هذه التوجسات وكل هذه التخوفات، ومعظمها عربية، تجاه اتفاقية الأشهر الستة، المتعلقةبالبرامج النووية الإيرانية، التي جرى توقيعها في ساعة متأخرة من مساء يوم السبت 23 من نوفمبر 2013 بين دول الـ"5+1" وبين إيران، التي أثارت زوبعة سياسية هائلة حتى في الكونجرس الأمريكي.
لقد ثبت أن اتفاقية تدمير الأسلحة الكيماوية السورية جاءت مؤامرة على الشعب السوري، وعلى المعارضة المسلحة وغير المسلحة، التي اعترف العالم بأكثرية دوله بأنها الممثل "الشرعي" لهذا الشعب، فهي ركزت على التخلص من هذه الأسلحة وتركت المجال مفتوحًا لنظام بشار الأسد ولحراس الثورة الإيرانيين وللزمر الطائفية وأولها "فيلق أبو الفضل العباس" العراقي، وميليشيات حزب الله اللبناني لمواصلة حرب الإبادة الجماعية، التي بقي هذا النظام يواصلها ضد شعب من المفترض أنه شعبه لنحو عامين ونصف وأكثر.
هناك مثل عربي متداول يقول: "إن لديغ الأفعى يخشى جرة الحبل". والحقيقة أن اتفاقية التخلص من الأسلحة الكيماوية -التي ترتب على توقيعها وعلى المباشرة بتنفيذها تمادي النظام في ارتكاب المذابح المفزعة ضد الشعب السوري وأيضًا تماديه في تدمير المدن والقرى السورية بالصواريخ والمدافع وبالطائرات التي كان الغرب -وفي مقدمته الولايات المتحدة- قد اعتبر أن استخدامها يشكل خطًّا أحمر يؤدي تجاوزه إلى التدخل العسكري المباشر لإنقاذ شعب بات ضحية لنظام ديكتاتوري ظالم وقاتل، وللحؤول دون استكمال تدمير بلد تجاوزت تقديرات تكاليف إعادة بناء ما دُمر منه مائة وستين مليارًا من الدولارات.
ولهذا فإنه مع العرب ومع المعارضة السورية ومع الشعب السوري كل الحق في أن ينظروا إلى اتفاقية جنيف الأخيرة بعيون الشك والريبة؛ وبأنها قد تطلق يد إيران في منطقة الخليج العربي وفي الشرق الأوسط كله لتواصل تدخلاتها العسكرية والسياسية والأمنية في الشئون الداخلية لسوريا والعراق ولبنان واليمن؛ ولتستكمل مشروعها التوسعي الإمبراطوري، الذي لم يعد خافيًا إلا على من يتجنب رؤية الحقائق، وإلا على أعمى البصر والبصيرة.
والمشكلة هنا أن الثقة بالرئيس الأمريكي باراك أوباما وبوعوده و"تطميناته" غدت مفقودة نهائيًّا؛ بعدما سمع العرب فيخطابه الشهير في مدرج جامعة القاهرة وعودًا وردية بالنسبة لحل القضية الفلسطينية ما لبثت أن تبخرت كلها، ولم يبق منها أي شيء، وثبت أن كلام الليل بالنسبة لهذا الرجل الأبانوسي -الذي صفقنا لمجيئه رئيسًا لأهم وأكبر دولة في الكرة الأرضية حتى التهبت واحمرت أكفنا- يمحوه النهار، وهذا قد حصل بالنسبة إلى الأزمة السورية، حيث رأى الشعب السوري من هذه الإدارة الأمريكية "جعجعة" عالية الوتيرة وشديدة الضجيج والصخب؛ لكنه في النهاية لم ير طحنًا على الإطلاق، ولم يرَ إلا انكفاء وتسليم مقاليد هذه القضية الدولية -التي ستترتب على نتائجها معادلات كونية كثيرة وخطيرة وجديدة- إلى فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف.
لقد كانت للعرب مع باراك أوباما وإدارته تجارب مرة بالفعل؛ ولهذا فإنه من "السذاجة" الركون إلى التصريحات التي أطلقها بعد هذا الاتفاق؛ الذي يعاني من ألف ثغرة وثغرة، التي تحدث فيها عن أنه لن يسمح لإيران بإنتاج الأسلحة النووية، حتى لو اضطر لاستخدام القوة العسكرية، فمثل هذا الكلام كان قد قاله رئيس الولايات المتحدة غير مرة، ثم وعندما يتخذ الكونجرس الأمريكي هذا الموقف الذي اتخذه، فإنه من قبيل تحصيل الحاصل أن يضع أهل هذه المنطقة العربية أيديهم على قلوبهم، وأن يخشوا من أن يكون اتفاق جنيف إحدى ألاعيب الدول؛ خاصة أن المعروف "أننا" قد ذقنا الأمرين من ألاعيب الأمم، ودفعنا أثمانًا باهظة نتيجة المؤامرات الدولية علينا وعلى بلداننا، وعلى "الوحدة" التي بقينا نحلم بها منذ أجيال سابقة ومنذ حقبات زمنية قديمة بعيدة.
ولعل ما يعزز مخاوف الذين يخشون من انعكاسات خطيرة لهذا الاتفاق أنه لم يتطرق على الإطلاق لاستباحة إيران للكثير من الدول العربية؛ إلا في بنده الذي جاء فيه -حسب موقع جريدة "النهار" اللبنانية الإلكتروني: ".. تستمر أيضًا جميع العقوبات الأمريكية المتخذة في شأن إيران التي هي على علاقة بدعم الإرهاب، ولعب دور سلبي في النزاع السوري، وسجلها في حقوق الإنسان".. وحقيقة ومع أن المقصود هنا بالإرهاب هو حزب الله؛ فإن هذا الكلام بعد كل هذه التجربة الطويلة مع باراك أوباما لا يؤكد لا الثقة به ولا التعويل عليه.
لقد تضمن هذا الاتفاق -أي "اتفاق جنيف"- الكثير من البنود والتأكيدات التي تجعله خطوة أولية في غاية الأهمية؛ لكنها بحاجة إلى التطبيق وحسن النوايا؛ من بينها:
* خلال فترة الاتفاق سيتم الاستمرار في تعزيز العقوبات ضد إيران بما فيها اتخاذ إجراءات!! ضد من يلتف أو يتهرب من تنفيذ هذا الاتفاق.
* تستمر العقوبات على البنك المركزي الإيراني وعلى ما لا يقل عن عشرين بنكًا ومؤسسة مالية إيرانية.
* تستمر العقوبات على عدة قطاعات من الاقتصاد الإيراني؛ ومن ضمنها الشحن، وكذلك برنامجها العسكري، وهذا بالإضافة إلى جميع عقوبات مجلس الأمن.
وبالطبع وكل هذا بالإضافة إلى التزام إيران -حسب هذا الاتفاق- بتعليق عمليات التخصيب التي تتجاوز الـ5% وهذا يعني تعليق كل عمليات التخصيب وتفكيك كل الأجهزة الفنية التي تتطلبها عمليات التخصيب لما هو فوق حاجز الـ5%، والتزامها أيضًا بالسماح ويوميًّا لمفتشي الوكالة الدولية بالدخول لمنشأتي ناتانز وفوردو، وأيضًا بعزل ترسانتها من المواد التي تقترب نسبة تخصيبها من الـ20% وبتخفيف شدة تركيز المخصبة ما تحت الـ20% إلى أقل من 5%، أو تحويلها إلى شكل غير ملائم لمزيد من التخصيب، وكل ذلك قبل نهاية المرحلة الأولى من هذا الاتفاق.
إن هناك بنودًا كثيرة تضمنها اتفاق الستة أشهر في غاية الأهمية تجعل ما قاله الرئيس الإيراني حسن روحاني، حول أن هذا الاتفاق نص على أن إيران ستواصل عملية التخصيب كما في السابق، هو مجرد كلام للاستهلاك الداخلي؛ هدفه إيهام الشعب الإيراني وإقناعه بتحقيق انتصارات هي غير صحيحة، وهي فارغة، والحقيقة استنادًا ليس إلى النوايا المبيتة وإنما إلى هذه النصوص المدونة أن تأكيد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن "تخصيب" الدولة الإيرانية بعد ستة أشهر "سيكون صفرًا" هو صحيح، وأن ما قاله المسئولون الإيرانيون وما زالوا يقولونه هو من قبيل "رش السكر على الموت"، وهو أيضًا من قبيل الخداع الذي اشتهرت به هذه الدولة منذ انتصار ثورتها الخمينية وقبل ذلك وحتى الآن.
وبالنتيجة فإنه يمكن القول: إن المشكلة ليست في هذه النصوص، وإنما في أن الثقة بالرئيس باراك أوباما باتت شبه معدومة حتى بالنسبة للكونجرس الأمريكي نفسه، وهي أنه لا يمكن الاطمئنان إلى هذه الدولة الإيرانية، التي اعتادت أن تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر، التي هي صاحبة "تقيَّة"، وتعتبر الأكاذيب والمناورات والألاعيب شطارة دبلوماسية.
وهنا فإنه يبقى أن نؤكد مجدَّدًا أنه إذا كانت نوايا "الجارة العزيزة" حسنة وصادقة، فإن عليها أن تسحب مقاتليها من مغاوير فيلق القدس ومن ميليشيات حزب الله، ومن طائفيي "فيلق أبو الفضل العباس" من سوريا وعلى الفور، وأن تترك العراق لأهله من سنة وشيعة، وأن تكف عن حشر أنفها في شئون دول الخليج العربي وشئون اليمن، الذي بالإمكان أن يكون سعيدًا إن هي تخلت عن "الحوثيين"، وعن محاولات استيعاب المذهب الزيدي، وإلحاقه بالمذهب الجعفري الاثني عشري، تحت الضغط المتواصل وبقوة السلاح وشراء الضمائر!!

أنجولا تحظر الإسلام وتبدأ بهدم المساجد

أعلنت وزيرة الثقافة في أنجولا روزا كروز دسيلفا منع ممارسة شعائر الإسلام في بلادها، وشرعت في هدم المساجد، بحسب ما نقلته صحف إفريقية.
وقالت كروز: "إن بلادها ستعيد النظر في قانون حرية الأديان، وسوف تقوم بتكثيف حربها ضد الإسلام المتطرف الذي ينتشر في القارة الإفريقية، وخاصة ضد الجاليات اللبنانية والإفريقية والغربية، التي تمارس الشعائر الإسلامية بأنجولا".
وتعهدت الوزيرة بمواصلة الجهود لمحاربة ما أسمته "الطوائف غير القانونية"، وعلى رأسها الإسلام، في البلد الواقع جنوبي القارة الإفريقية على المحيط الأطلنطي.
ونقلت وكالة الأنباء الأنجولية عن الوزيرة قولها: إن الحكومة ستواجه ظهور أديان تتناقض مع العادات والتقاليد الثقافية المحلية.
وقال بونتو محافظ مدينة لاوندا: "إن هدم المساجد يُجرى لأن من وصفهم بالمسلمين المتطرفين ليس مرحبًا بهم في أنجولا وممنوع من الآن فصاعدًا بناء المساجد".
وقد أثارت قرارات وزيرة الثقافة بشأن الإسلام وحظر ممارسة شعائره غضبًا بين المسلمين؛ حيث دعا خالد بن عبد الرحمن الشايع -الأمين العام المساعد للهيئة العالمية للتعريف بالنبي محمد- إلى تحرك إسلامي واسع بمواجهة هذا التطور الذي اعتبره "مثيرًا للدهشة".
وقال الشايع في تصريح لـ سي إن إن العربية: "الأمر مثير للدهشة بالفعل، ونأمل أن يكون هناك موقف من منظمة التعاون الإسلامي؛ لأن القرار يخالف الأعراف الدولية، فحتى الدول الأوربية تسمح ببناء مساجد وتعترف بالإسلام، ولا بد بالتالي من موقف لوزراء خارجية الدول الإسلامية، كما نتطلع أن تتحرك منظمة التعاون الإسلامي وتتصل بالحكومة الأنجولية لتوضيح أي سوء فهم".
وحول رؤيته لأسباب القرار قال الشايع: "ربما لدى الجانب الأنجولي نظرة مضللة حول الإسلام، بعد هجوم حركة الشباب في نيروبي، وعليهم أن يعرفوا في هذه الحالة أن الإسلام قد حرَّم هذا النوع من الهجمات، وإذا كانت هناك مشاكل أخرى في نظرتهم للإسلام، فيجب توضيح الصورة.. الأمر الإضافي الذي لا أستبعده هو أنهم قد لاحظوا نموًّا كبيرًا في أعداد المسلمين بما لا يقارن مع أي ديانة أخرى، على الرغم من أن العدد بشكل عام قليل، ولا يزيد عن مليون مسلم".
وشدد الشايع على ضرورة تحرك منظمة التعاون ورابطة العالم الإسلامي ووزراء خارجية الدول الإسلامية، والمبادرة للاتصال بالجانب الأنجولي؛ معتبرًا أن ذلك "لا يعتبر تدخلاً في الشأن الداخلي، وإنما ينبع من اعتبار أن المسلمين في أنجولا امتداد طبيعي للأمة"، مضيفًا أن النبي محمد حرَّم هدم المعابد حتى خلال الحروب.