الاثنين، 25 نوفمبر 2013

فيصل مولوي عمامة ناصعة أنارت الدرب

فيصل مولوي
فيصل مولوي
وقالوا: الإمامُ قضى نحبـَه وصيحةُ من قد نعاه علتْ
فقلت: فما واحدٌ قد قضى ولـكنه أمـةٌ قـد خلتْ
لا أعلم من أين أبدأ..وكأنني في آلة زمن تعود بي إلى أواخر السبيعينيات، وأنا بين يدي وجه مشرق تزينه ابتسامة واثق في قاعة بسيطة بمنزل متواضع في صيدا يضم فتية يبحثون عن مستقبل لهم ولأبنائهم ولأمتهم تظللهم روح من التوثب والمبادرة تحتاج أكثر ما تحتاج إلى عقل ناضج وتوجيه سليم..فكان الشيخ فيصل مولوي مفتاح خير في مدينة تمردت على واقع التقليد والتعتيم..جلس إلى صبية في عمر الزهور يلقي عليهم أول درس من دروس الدعوة بالقدوة لا بالكلمات المصفوفة..كان درسًا في التواضع وسعة الصدر والتشجيع الذي لا يعرف الحدود.. وإلى جانبه الشيخ المفضال خليل الصيفي (رحمهما الله).. وكنا بينهما طلاب علم وراغبي عمل نتلمس خطانا بما توافر يومها على قلته.
وبدأت المسيرة..وتكررت اللقاءات.. وكنت في كل مرة أرتوي من معين لا ينضب من التشجيع والمشاركة والتوجيه الحيي والإشعار بالشراكة لا بالتراتبية التنظيمية..هكذا كان دأبه ودأبنا..من الحلقة إلى الأسرة فالمكتب الإداري فمجلس الشورى ولجان العمل في الوطن وديار الهجرة والاغتراب.
كان الشيخ الفقيه القائد حركة لا تهدأ..تشعر أمامه أنك أمام طود شامخ لا يعرف الانحناء إلا لله تعالى.. وأمام عالم متمكن ينظر إلى الفقه من نافذة المستقبل لا من باب الماضي الخلفي..وأمام قائد يختار رجاله بعناية..تستشعر فيه رحمة الأب وإشفاق الأخ ورعاية الشيخ وتفاني المريد وإقدام الشجاع وثبات أصحاب العزائم.
كنت أنتظر الصلاة خلفه لأستمع لتلاوته..كانت تخرج من فمه إلى قلبي مباشرة فتملأه طمأنينة.. وكنت أرقب فيه إدارته للنقاش..كان موفقًا أيما توفيق في تقريب وجهات النظر..وتلطيف الأجواء..وتهدئة الخواطر..وإبراز ما في الرأيين المختلفين من خير يمكن جمعه والاستفادة منه.
مرت علينا أيام وليال عجاف..وقف فيها ممانعًا لأي أذى يلحق بغير المسلمين في مناطق نفوذنا.. الإنسان خط أحمر..له حقوق وهو أمانة في أيدي أصحاب السلطان.. مهما كان حجم ونوع هذا السلطان.. من رب الأسرة إلى رئيس الدولة..وللبندقية شرف لا يصح أن يتلوث بدماء الأبرياء.
كانت إمكانياتنا متواضعة.. بل التواضع في وصفها كثير..وكنا نرى الغايات بعيدة فيما كان يرى الإمكانيات في العزيمة.. ويرى الغايات قريبة..أقرب مما نتخيل.. وبهذا أطلق المؤسسات التربوية في لبنان وأوروبا وشجع على إنشائها كل قادر عامل سواء أكان منضويًا تحت لوائه أو معارضًا له.
كان إيمانه مطلقًا بأن التعلم باب من أبواب الخير لابد أن يفضي بأصحابه إلى فضاء واسع منير.. ولما لمس معاناة الدعاة أنشأ "بيت الدعوة والدعاة" ليرفع عنهم ذل اليد السفلى.. ودعا مسلمي أوروبا ليكونوا جزءًا من مجتمعاتهم يعملون فيها بإخلاص يبنون ويتعايشون كما بنى أسلافهم في الأندلس وتعايشوا..دعاهم إلى أن يؤهلوا دعاتهم لتلك البيئة فأنشأ "الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية" وعمل مع دعاة وعلماء وطلاب علم على تأسيس " المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث "لتكون الدعوة والإمامة والفتوى ابنة البيئة وليست دخيلة عليها.
لم أسمعه مرة واحدة يلفظ كلمة نابية..أو يجاري في أمر يخدش الحياء..أو يتبرم من قضاء وقدر أو نازلة من النوازل.. أو يشكو لغير الله..أو يعيش حالة قنوط أمام معضلة من معضلاتنا –وما أكثرها..كان -بالنسبة لي -نموذجًا حيًّا واعيًا من نماذج الاستعانة بالصبر والصلاة.
كان مربيًا من طراز فريد..يكتفي بالنظرة عن الكلمة.. وبالكلمة عن العقوبة..يدافع عمن أساء إليه ويلفت نظرنا إلى جانب من الخير يراه ولا نراه في حمأة الغضب..وكان وفيًّا للسابقين رحيمًا باللاحقين..لا يرضيه سلق من خرج بألسنة حداد ولا مسح صفحات عملهم بالسواد..بل كان لا يردّ على من أساء إليه فردًا كان أو جماعة.. وإن سئل عن جماعة من جماعات العمل الإسلامي المخالفة لمنهجه أو مذهبه أجاب بما يحقق الفائدة للسائل على وجه العموم فكرًا وفقهًا بالرد على الأفكار لا على حملتها..كتبت له أستشيره في رسالة أعددتها لكبير من كبارنا رأيناه قد فارق الجماعة وترك نهجها..فأجابني أن أُمسـِك وأن أُحسـِن إليه وأن أزوره في الله.. وألا أبدي لهذا الكبير ما يسوءه في قول أو عمل.. فأي خلق هذا إلا خلق مدرسة النبوة!!
لم يكن الإسلام عنده باب ارتزاق ولا موجة ترفع راكبها في السياسة والمجتمع بل كان الإسلام الذي يعتنقه ويدعو إليه رسالة حياة مصداقًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال:24]..كان يراه في عيون الأبرياء..وفي قلوب المساكين..وفي عمل السالكين..وفي تجنيب الناس الأذى من أي وعاء خرج.
واستتباعًا لذلك لم تكن وحدة الصف –في فكره وحركته –تكتيكًا لقطف ثمرات في السياسة أو غيرها..بل كانت قناعة راسخة استدعت أن يتحمل ما لا يحتمل من داخل الصف وخارجه..ومن أبناء طائفته والطوائف الأخرى.. وهو الذي بادر يوم الجمعة 16 المحرم 1426هـ (25/2/2005م)عقب استشهاد الرئيس الحريري والكوكبة معه، بطرح حل يجنب لبنان أزمة سياسية طاحنة، ثم كرر بعد ذلك مبادراته في طرابلس وبيروت وصيدا وبمناسبات متعددة مادًّا يده تجاه الأفرقاء جميعًا لاسيما  حزب الله  ناصحًا ومنبهًا إلى خطورة تداعيات استرسال السلاح داخل المدن والأزقة.. قال ذلك قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم.. وحال (رحمه الله) بكل ما يملك بين إخوانه وأحبابه ومريديه وبين الانجرار إلى فتنة مذهبية لا يستفيد منها سوى أعداء الوطن والأمة.. وكان في مجالسه الخاصة.. بل شديدة الخصوصية.. كما في مجالسه العامة شديدة العموم.. داعية إلى تفهم وجهات النظر المختلفة.. وإلى الواقعية في قراءة الأحداث.. وإلى التوازن بين أمن الوطن وتربصالعدو الصهيوني .. كان يدعو إلى وضع الحلول التي تحقق استقرار البلد دون إثارة الأطراف أو الانحياز إلى أي من أقطابها.. وهي معادلة صعبة في ظروف إحياء الغرائز والنعرات المذهبية.. ولكن الشيخ كان قادرًا على طرحها وعلى تبنيها وعلى الالتزام بها.

حسن الشافعي

نشأة حسن الشافعي
ولد الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي سنة 1930م تقريبا، وحفظ القرآن الكريم صغيرا، والتحق بمعهد القاهرة الديني الأزهري، وقد برز وهو طالب بين زملائه، فكانت شخصيته تقدمه إلى الصفوف العالية، ثم تقدمه كذلك على كثير ممن هم في مثل سنه، وعلى من هم أكبر منه سنًّا أحيانًا.
وألزم نفسه، وهو فتى نحيل الجسم صغير الحجم بالزى الأزهري المتمثل في عمامة رأسية على الرأس و"كاكولة" سابغة على الجسم. وهذا الزى إن لم يكــن يُكْســب صاحبه الوقار، فإنه يفــرض عليــه التوقّر، ويُلزمه بسلوك في معهده، وطريقة في مشيته، وعلاقة بزملائه.
وكان، وهو طالب بالمعهد الديني يتردد على المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية لحضور درس الثلاثاء للأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وتأثر به كثيرا، وترك بصماته في فكره وسلوكه.
ولا عجب فكلاهما حسن، هذا بنا، وذاك شافعي. وقد لا يكون الاسم في كثير من الأحيان معبرا عن الشخصية، وليس بالضروري أن يكون كل من يحمل اسما يكون له نصيب منه، لكن من التوفيق الرباني أن يكون للإنسان من اسمه نصيب، وأن يصنع على عين الإرادة الإلهية، فيكون اسمه وأعماله وحياته صناعة ربانية، يصطفى من خلقه من يشاء، ويعز من يشاء، ويوفقه لطاعته، ويذل من يشاء بما ارتكبت يداه من معصيته.
يقول الدكتور السعيد بدوي:
لم يكن حسن الشافعي في الماضي وليس هو في الحاضر من دعاة العنف ولا من مروجيه. ولكن يبدو أن وقفته التي وقفها في شرفة كلية الشريعة ذات صباح من عام 1950م، وما بدا فيها من قدرته على تحريك الجماهير والتلاحم معها، وجدت من يرصدها ويصنف صاحبها خطرًا على النظام الذي كان يمثله هؤلاء الراصدون، فيتخذون من الإجراءات ما يضمن إزاحته من الطريق.
ويحكى د. حسن الشافعي عن لقائه ببعض الإخوان:
لقد التقيت أول مرة بالدكتور العسال عام 1950م في منطقة شبرا، وكان خارجًا لتوِّه من معتقل الطور، وكان بصحبة الشيخ يوسف القرضاوي العالم الجليل، والدكتور علي عبد الحليم (حفظه الله)، وبعد فترة كان اللقاء مرةً أخرى في السيدة زينب، وعدت من هذا اللقاء ومعي أول نسخة من كتاب "التشريع الجنائي في الإسلام" للشهيد عبد القادر عودة.
وتواصلت علاقتنا، وكان هو في كلية الشريعة وأنا في معهد القاهرة الديني، وكانت هذه الفترة أيامًا حافلة، وفترة حاسمة في حياة مصر.
حسن الشافعي الشاب الوطني مع كتائب الإخوان
ولم يكن حسن الشافعي، وهو في مقتبل الشباب بمعزل عن قضية مصر والجلاء والمقاومة في القناة، يقول د عبد اللطيف محمد عامر رئيس قسم الشريعة الأسبق بكلية دار العلوم في جامعة الفيوم:
كانت قد ألغيت معاهدة 1936م، وبدأت فصائل المقاومة من شباب الجامعات تندفع إلى منطقة القناة لتقاوم المستعمر الإنجليزي، وتبلي بلاءً حسنًا في هذه المقاومة، ولم يكن حسن الشافعي كما لم يكن غيره من الشباب المؤمن بمعزل عن هذه الانتفاضة إن صح التعبير.
فلقد أخذ هؤلاء الشباب سمْت المجاهدين بعد أن خلعوا ملابسهم المدنية، وارتدوا الكاكي، وهو رمز الزى العسكري. وتحولت الأحاديث بينهم من أحاديث الرحلات الترفيهية إلى أحاديث المعسكرات التدريبية، ومن حشد الفرق للمباريات الرياضية إلى جمع السلاح للأغراض الجهادية.
وفي مرة سمعت أن هناك ندوة ليلية ستقام فتمتد إلى فجر اليوم التالي، وكانوا يسمونها "كتيبة"، وعلى الرغم من أن هذه الكتيبة كانت لطلبة معهد القاهرة، فقد اندسست بينهم في هذه الليلة، وكأنني "أحب الصالحين ولست منهم". وذلك حين علمت أن حسن الشافعي هو "مندوب" هذه الكتيبة، أو قائدها، أو رئيسها، أو ما شئت من هذه الألقاب.
ولكنني قبل ذلك وبعده عرفت حسن الشافعي كما لم أعرفه من قبل، وأدركت أن حداثة السن لا تغطي أصالة النفس، وأن تواضع المرء لا يحجب علوّ منزلته، فعلى الرغم من أن سنّه حينئذ لم يكن يدفعه إلى الزعامة، فإن روحه حينئذ كانت ترسخه للقيادة، والزعامة تفرضها على الناس ما يعرف في عالم السياسة "بالكاريزما"، والقيادة يرشِّح لها ما يسمى بالقبول.
في ظل الأزهر ودار العلوم بين العلم والاعتقال
وفى عام 1953م التحق بكليتي أصولِ الدّين بِجامعة الأزهر ودار العلوم بجامعة القاهرة، وتخصص في دراسة الفلسفة الإسلامية، ليدرس في الكليتين في وقت واحد، وكان مسموحا به في ذلك الوقت.
وتم اعتقاله سنة 1954م، وهو في الفرقة الثانية بكلية دار العلوم ليقضى في السجن ست سنوات عجاف، يقول الدكتور السعيد بدوي : جرى اعتقاله عام 1954م وهو مجرد طالب بالفرقة الثانية بكلية دار العلوم وبالفرقة الثالثة بكلية أصول الدين في الوقت ذاته, وجرى تعذيبه وضربه بالكرابيج التي لا تزال آثارها التي تستعصي على الإحصاء خالدة على ظهره إلى اليوم.
لا ندري مدى الخطورة التي كان حسن الشافعي يشكلها على النظام المصري في ذلك الوقت، والتي استدعت تقديمه للمحاكمة العسكرية والتي جعلت رئيس المحكمة العسكرية يختصه بـ"إنت بالذات يا بن الـ... هاديلك مؤبد"، وقد فعل.
ويخرج في سنة 1960، ليكمل دراسته في الكليتين أصول الدين بالأزهر الشريف، ودار العلوم جامعة القاهرة ويتخرج فيهما معا سنة 1963 م، ويحصل على مرتبة الشرف الأولى في كلية دار العلوم، ويتم تعيينه معيدا بقسم الفلسفة الإسلامية.
يقول د عبد اللطيف محمد عامر:
وأحسب أن هذا النزوع إلى هذا التصوّف الرشيد هو الذي وجّهه إلى كلية أصول الدين دون غيرها من كليات الأزهر ليدرس فيها العقيدة، وليتعمق في دراسة الفلسفة والتصوف على أيدي مشايخه المتخصصين.
كما أحسست أن التوكل الواعي هو الذي دفعه إلى الجمع بين هذه الدراسة في أصول الدين، والدراسة العصرية إلى حد ما في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ولم يسمح لإحدى الكليتين أن تكون ضرّة للأخرى تستحوذ عليه، وإنما نجح في أن يجعلهما صديقتين تعطيه كل منهما حبًّا، ويعطي كلا منهما عناية وحرصًا.
مما حقق له مركزًا مرموقًا في كل من الكليتين، فهو إما الأول على دفعته، وإما الثاني دائمًا، فينفرد بالأولوية أحيانًا، ويتناوبها مع أحد زملائه أحيانًا أخرى بالرضا والاتفاق.
ولقد سمعت منه بعد ذلك أنه بعد حصوله على الليسانس بامتياز في الكليتين عُيّن معيدًا بكل منهما، وحرص فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله على استبقائه بأصول الدين، ولكن دار العلوم بادلت فضيلة الشيخ هذا الحرص على ابنها الموفق المتفوق، وكانت إرادة الله غالبة؛ إذ خصّت دار العلوم به، ثم كان مبعوثها إلى جامعة لندن للحصول على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. فكان ابن الجامعات الثلاث الذي مازال يدين بالفضل والوفاء لكل منها حتى اليوم.
وأثناء دراسته للماجستير يتم اعتقاله سنة 1964م، ثم يخرج ويعاد اعتقاله ثانية سنة 1966م.
يقول الدكتور السعيد بدوي معلقا على اعتقاله: ولم أكن أنا من جماعة الإخوان المسلمين التي كان حسن الشافعي على الرغم من حداثة سنه واحدًا من نجومها، كذلك لم أكن من المتعاطفين مع كثير مما كان يتم باسم الجماعة في ذلك الوقت على الرغم من الصداقة التي كانت قد جمعتني بمحمد شمس الدين عبد الحافظ وأفراد قليلين من مثله لا أكاد الآن أذكر أسماءهم.
في المعتقل بقي حسن الشافعي المعيد بكلية دار العلوم سنوات مُجَرّمًا بلا جريمة، وبريئًا بدون حرية، إلى أن دار الزمان دورته وبصق العدو في وجه الوطن، بعد أن سبقه الساحر وبصق في وجوه المواطنين.
خرج من السجن بعد أربع سنوات أخرى أثناء دراسته للماجستير، وهو أعز نفسا وأرسخ إيمانا ممن سجنوه ظلما وعدوانا، عاد بالرغم من القسوة والظلم والتعذيب أقوى عزيمة وإصرارا على مواصلة الكفاح، مرّت رغم قسوتها بردا وسلاما. يقول الدكتور عبد اللطيف محمد عامر: فلقد التقينا بعد هذه المرحلة وبعد انقشاع دخانها، فكأنها لم تفعل شيئًا، وكأنها لم تنقص منا إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر.
عاد للدراسة أصلب عودا وأشد إصرارا على التحمل والمثابرة حتى حصل على درجة الماجستير سنة 1969م في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم.
الدكتوراه من بريطانيا
ولعل الله قد أراد أن يعوضه ما ألمّ به؛ فأنعم عليه بالبعثة لدراسة الدكتوراه في بريطانيا؛ ليتقن اللغة الإنجليزية ويطلع على الثقافة الغربية وما يثار حول القضايا الفكرية التي يهاجم بها المفكرون الأوروبيون الإسلام ويثيرون حولها الشبهات، ويستطع خدمة الثقافة الإسلامية. سجل وقد استطاع إنجاز رسالته للدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن سنة 1977م، ثم يعود ويقوم بتدريس الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم.
سياحة علمية
ولم يكد يحصل على الدكتوراه حتى تلقفته الجامعات الإسلامية للتدريس بها، فلم يستطع إلا أن يلبي، ففي عام 1979م عمل بالجامعة الإسلامية بأم درمان بالسودان. وفى عام 1981 م أعير إلى الجامعة الإسلامية بباكستان ثم عميدا لكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية عام 1983م،ثم عميدا للشئون الإسلامية لشئون إسلام أباد عام 1984م، ثم نائبا لرئيس الجامعة للشئون الأكاديمية عام 1985م حتى عام 1988م؛ ليعود للتدريس بكلية دار العلوم ثم وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا سنة 1989م حتى عام 1994م، وفى نفس العام اختير عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم عاد إلى الجامعة الإسلامية بباكستان رئيسا لها حتى عام 2004 م، ثم يعود للتدريس بدار العلوم.
وهكذا هو في حياته لا يخلد إلى الراحة، من بلد إلى آخر، وهو بحق كما قال عنه الدكتور السعيد بدوي "الشافعــي.. شاهد يحمل شهادته على ظهره" يجوب العالم العربي والإسلامي، يلبي لا يرفض، يعطي لا يأخذ، إنه حقا يدرك أن العلم أمانة يجب أن يؤديه لأهله.
مؤلفات حسن الشافعي
وللدكتور حسن الشافعي إنتاج علمي غزير حيث أصدر منذ عام 1971 عشرة كتب بالعربية في الفلسفة الإسلامية والتوحيد وعلم الكلام والتصوف، وأكثر من 30 بحثاً علميًّا في العديد من المجلات والدوريات العلمية في مصر والخارج، وخمسة نصوص تراثية محققة، وأربعة كتب مترجمة إلى الإنجليزية، هذا فضلا عن الإشراف والحكم على عشرات من الرسائل الجامعية في مصر والعالم العربي وباكستان وماليزيا.
ومن مؤلفاته و أبحاثه:
الآمدي وآراؤه الكلامية.
علم الكلام بين ماضيه وحاضره.
فصول في التصوف.
التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية.
أبو حامد الغزالي.. دراسات في فكره وعصره وتأثيره.
الإمام محمد عبده وتجديد علم الكلام.
حركة التأويل النسوي للقرآن والدين.
تجديد الفكر الإسلامي... "المفهوم والدواعي والخطوات"
البيوتات العلمية بين مصر وتونس.
تطور الفكر الفلسفي في إيران - محمد إقبال ترجمة د. حسن الشافعي.
من أقوال حسن الشافعي وآرائه
يقول الدكتور حسن الشافعي: عندما يتحدث عني أحد زملائي أو تلامذتي أشعر بأنهم يتكلمون عن شخص آخر، فأنا أعرف نفسي جيدًا، وأرجو ألا يخدعني هذا الكلام عن حقيقة نفسي، فأقرب الأشياء إليك نفسك التي بين جنبيك، فأنا أشعر في بعض جوانب تجربتي أو رحلتي أنني مقصر وأنني شبه مسئول عن الشباب المسلم الذي يعطي في نطاق العمل الإسلامي، ويبدأ من الصفر، وبعد أن تسيل الدماء وتنفق الأوقات والجهود، قد تضيع على الأمة إرادات ونوايا أعتقد أنها صادقة، كما أؤكد أن لدي إحساسًا بالذنب؛ لأن الله أعطاني لسانًا وقلمًا يمكن أن أصور بهما أعمال الآخرين أو مواقفهم.
العالم الحق هو من يعمل بعلمه وليس من يدون الكتب والحواشي. 
حسن الشافعي وسر الخلود
إن أي إنسان في الحياة يأمل في خلود اسمه في الحياة حتى بعد الموت، ومنهم من يرى خلوده وبقاء اسمه في وجود ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به، كما أشار الحديث الشريف. ولعل سر خلود الدكتور حسن الشافعي في وسطيته واعتداله في جميع حياته، فتجده صوفيا بلا غلو ولا شاطحات ولا بدع، يأخذ من التصوف زهده وروحانيته، ولا يترك نصيبه من الدنيا، وكثيرا ما تجد من أستاتذة العلم جفاءً وقسوة ًغير مبررة تجعلك تنفر من العلم رغبة في البعد عن مجالستهم، أما حسن الشافعي فكلما نظرت إليه ازددت إيمانا بالله، وحبا له ورغبة في مجالسته والأخذ عنه حتى تشعر بأنك في روضة من رياض الجنة.
تجد كثيرا من العلماء يعتزلون الناس للاعتكاف على علمهم في البحث والتأليف لا يهتم أحدهم بمن حوله من الطلاب والجيران والأهل والأصحاب، قاطع الأرحام، لا أثر له في دنيا الناس غير صفحات يجمعها ويكتبها ويخرجها كتاباً، أما حسن الشافعي فكان علما وعملا، مربي أجيال، خدوما لطلابه وأصدقائه، بارا بجيرانه، واصلا لأرحامه، معينا ذا الحاجة على نوائب الدهر، جَمَّله خُلق كريم، لا انفصام عنده بين العلم والعمل، فهو القائل:
العالم الحق هو من يعمل بعلمه، وليس من يدون الكتب والحواشي.
لا عجب وهو العالم تجده يستمع إلى النصيحة، فكان في طريقه يوما، فقابله رجل فقال له: عليك بخدمة الخلق ثم خدمة الخلق ثم خدمة الخلق، فيقول: ومن يومها وأنا أسير على هذا الدرب بقدر الطاقة.
حقا لقد ربى حسن الشافعي طلابه في مصر والعالم العربي والإسلامي بسلوكه وأخلاقه أكثر مما رباهم بعلمه، تجد كثيرا من الأستاذة والمشايخ يتكلمون بلسانهم، أما حسن الشافعي، فيخرج الكلام من قلبه، وإذا خرج الكلام من القلب فلا يصل إلا إلى القلب. وغالبا ما ينسى الطلاب أستاذتهم بعد مرور الزمن، لكن من يجلس أمام الدكتور حسن الشافعي لا يستطيع أن ينساه أبدا، وكيف ينساه، وقد استقرت كلماته في القلب؟!.. حقيقة إن من البشر من يصنعه الله على عينه، فيحبه ويجعل له القبول في الأرض.
حسن الشافعي في عيون معاصريه
حقيقة إن أقرب الناس من الإنسان هم أكثر الناس معرفة به، ولعل رأيهم يكتسب أهمية إذا كان خارج المنفعة الشخصية، وإذا أردنا أن نتعرف على شخصية الدكتور حسن الشافعي ونقترب منه أكثر فلابد أن نستمع إلى رأى زملائه ومعاصريه عنه، وهى شهادة لها أهميتها من زملائه الذين يرونه أخا وصديقا، وتلامذته الذين يرون فيه الأستاذ والوالد، وكل منهم يراه من وجهة نظره ومعرفته به، وقد قال أصدقاؤه وتلامذته الكثير والكثير عنه وعن علمه وأخلاقه..
فمنهم من قال: إن الدكتور حسن الشافعي هو من بقية السلف الصالح في هذا الزمان؛ عالم قدوة، دال على الله تعالى بحاله ومقاله.
ومنهم من يرى أن الشافعي ليس مجرد فيلسوف عميق، فهو أيضًا لغوي أصيل.. أي أنه فيلسوف لغوي، أو لغوي فيلسوف.
والكثير منهم يجزم بأن عطاء الأستاذ الدكتور حسن الشافعي في إصداراته العلمية العديدة، وفي الألوف من تلامذته النجباء، وفي نشاطاتــه وإسهاماتــه الفكريــة والعلمية والإدارية يرشحه لأن يكون من أجدر رجالات العلم والمعرفة الإسلامية بالتبجيل والتكريم وعرفان الجميل.
ويرى الدكتور محمد عمارة أن الدكتور حسن الشافعي تمتع بعشر خصال أطلق عليها: العَشَرَة الطيبة، فيقول: إن الدكتور حسن الشافعي جمع من المحاسن في الفكر والقيم العديد من الصفات أذكر منها "عَشرة طيبة" من هذه القيم التي جمعها الدكتور حسن الشافعي:
    جمع بين الأزهر ودار العلوم.
    جمع بين السلفية والتجديد.
    جمع قلب الصوفي وعقل الفيلسوف.
    جمع بين التحقيق والتأليف.
    جمع بين الإبداع الأكاديمي والعمل الدعوى.
    جمع بين صناعة الفكر وتربية الشباب.
    عشق العربية، وأبدع في الإنجليزية تأليفًا وترجمة.
    جمع بين صلابة أهل الصعيد، ودماثة الحضر وأبناء الوجه البحري.
    جمع بين الوطنية والعروبة والإسلامية والإنسانية.
    جمع بين الحب لله والحب لخلق الله.
عشر صفات وعشر قيم جمع فيها بين الحسنيين، فهي عَشَرة طيبة، وهي بعض من القيم والخصال والشيم والمآثر التي جمعها الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، أمدَّ الله في عمره ومتَّعه بالصحة والسعادة.
أما الدكتور حسن الشافعي في عيون تلامذته، فيوضحها الدكتور د. عبد الباري محمد الطاهر:
إذا نظرت إليه رأيت الابتسامة الحانية تكسو جبهته، وغمرتك بالسعادة طلعته، يبادرك بالسلام، ويشد على يديك بحب واحترام، يسألك عن أحوالك وأحوال ذويك، ويذكر لك طرفًا من آخر لقاء بينك وبينه، فيشعرك أنك به موصول، وأنك لم تغب عن ذاكرته وإن طال الزمان، وإن كنت تلقاه لأول مرة، تشعر أنك تعرفه منذ فترة طويلة، وأن صلتك به حميمة، فإذا عرف اسمك حفر في ذاكرته، فيبادرك في اللقاء الثاني بادئًا باسمك.
أما دعواته الطيبة التي تلاحقك وتحفك من كل جانب فهي دعوات تخرج من قلب صادق محب، تعرفها حين يتحقق ما يقدره الله لك منها في الدنيا، ساعتها تجزم أن الرجل من عباد الرحمن المخلصين.

عبد الرحمن الناصر والنهضة العلمية

عبد الرحمن الناصر
عبد الرحمن الناصر
يذكر المؤرخون أن النهضة العلمية في الأندلس بدأت متأخرة بعض الشيء، وهي التي قام عليها عماد تلك الحضارة العظيمة، التي قلَّما يجود الزمان بمثلها.
والحق أن بوادر تلك النهضة العلمية كانت مع الفاتحين الأوائل، الذين كان بينهم العديد من العلماء، في مختلف مجالات الحياة، ثم كان أن أنعم الله على الأندلس، وشعب الأندلس بحكام علماء، نشأوا على حُب العلم وأهله، وعرفوا ما للعلم من أهمية وقيمة في الرقي بمجتمعه وأمتهم، فساعدوا على قيام تلك النهضة العلمية، وكان من أعظم هؤلاء الخلفاء وأبرزهم عبد الرحمن الناصر، وابنه الحكم المستنصر.
عبد الرحمن الناصر والنهضة العلمية:
كان لنشأة الناصر العلمية، وحبه للعلم منذ صغره دور بارز في النشاط العلمي الذي حدث للأندلس أثناء تولِّيه الخلافة، فقد درس عبد الرحمن القرآن والحديث وهو طفل لم يبلغ العاشرة بعدُ، وبرع في اللغة والحساب وفنون الفروسية، وتلقّى العلم على أيدي محدثين وفقهاء كبار، منهم "قاسم البياني"[1].
وعلى الرغم من تولِّيه السلطة في عهد مليء بالفتن والاضطرابات، إلاّ أنه استطاع بفطنته وذكائه أن يقضي على كل هذه الفتن، ويوحِّد البلاد تحت إمرته، ويعلن الخلافة الأموية بالأندلس، وتلقَّب بـ"أمير المؤمنين الناصر"[2]، وبدأ يركز على العلم والعلماء، ومحاولة الترقي العلمي بالأندلس؛ لذلك يذكر المؤرخون أن بلاط الناصر كان يحفل بالكثير من العلماء والأدباء، فمنهم ابن عبد ربه صاحب "العقد الفريد"، ومنذر بن سعيد كبير فقهاء عصره، وأبو القاسم الزهرواي الطبيب والجراح الكبير، وقد كان عبد الرحمن يكرم هؤلاء العلماء، ويُجِلُّهم، ويحرص كل الحرص على إنزالهم ما يليق بهم من مكانة، والسماع لرأيهم ومشورتهم دائمًا، كما اجتهد في تخير قضاته من أولي العلم والمعرفة[3].
هذا وقد بلغ من عناية "الناصر" بالعلم والمعرفة أن بذل جهدًا خارقًا في جمع الكتب، كما وضع أساس المكتبة الأموية الكبرى[4] التي ازدهرت في عهد ابنه "المستنصر"، ورفعت من شأن الأندلس كمنارة علمية كبرى يقصدها القاصي والداني.
ويُذكَر أنه اشتُهِرَ عنه اهتمامه بالكتب، وولعُه الشديد باقتنائها، حتى بلغ ذلك أحد ملوك عصره، وهو الإمبراطور البيزنطي "أرمانوس" الذي أرسل له هدية علمية، يتودَّده ويأمل أن يحوز رضاه، فأرسل إليه كتابين من تصانيف الأوائل، أحدهما في الطب: وهو كتاب "ديسقوريدس"، والآخر في التاريخ: وهو كتاب "رهوشيش"، وكان باللاتينية[5].
وبذلك كان عهد الناصر بداية مجيدة، ودفعة قوية، لعصرٍ عظيمٍ ازدهرت فيه العلوم والآداب، وانصرف العلماء فيه لتحصيل العلم وتصنيف الكتب في شتى فروع المعرفة، ولا ريب في ذلك فإنَّ كثيرًا من كتب العلم التي أُلِّفت في عهده، لَتَدُل على ما اتَّسم به من مناخ خصب نمت فيه القدرات العلمية، فأعطت ثمارًا يانعة في ميدان الفكر، وجعلت من حاضرة الخلافة قرطبة دارًا للعلوم، ومركزًا ثقافيًّا مهمًّا استقطب العلماء من نواحي الأندلس المختلفة، بل ومن خارجها، في صورة تؤكد عظمة ذلك العصر، ومدى اهتمام الناصر بالعلم والعلماء حينئِذٍ.
يُذكَر من اهتمامه بعلوم الحياة أن حركة الاشتغال بالطب ـ مثلاً ـ بدأت في عصره تأخذ أبعادًا جديدة، فتتبعت الخيرات في أيامه، ودخلت الكتب الطبية من المشرق، وقامت الهمم، وظهر الكثير من الأطباء المشهورين في دولته.
ومن أهم تلك الكتب كتاب "زاد المسافر" الذي نقله الطبيب العلاّمة ابن بريق، الذي كان من أمهر أطباء الأندلس، ودرس الطب في القيروان على يد ابن الجزار ستة أشهر، ثم عاد للأندلس بهذا الكتاب، فأحسن الناصر وفادته، وأجزل له العطاء.
وكان الخلفاء يحرصون على أن يكون في قصورهم عدد من الأطباء البارعين المهرة، لحاجتهم إليهم في التداوي، ولهذا اشتغل الكثير من الأطباء الأندلسيين، وعُرِفوا بخدمة الخلفاء، وممارستهم الطب في قصورهم، فمنهم أصبغ القرطبي، الذي خدم عبد الرحمن الناصر، وكذلك ابن بريق، ومنهم سليمان بن باج الذي عرف الناصر عنه تمكُّنَه العميق في الطب وتركيب الأدوية، فقرَّبه منه، وأصبح طبيبه الخاص، وكذا نال يحيى بن إسحاق مكانة رفيعة عند الناصر نظرًا لما تمتع به من سعة العلم والسيرة الحسنة، مما جعله يوليه الوزارة[6].
تقدير الناصر للعلماء:
لما بنى الناصر مدينة "الزهراء" واستفرغ جهده في زخرفتها وتنميقها وإتقان قصورها، كان من انهماكه بذلك أن تخلَّف مرة عن شهود الجمعة في المسجد الجامع بـ قرطبة، والمفروض أن يشهدها في المسجد الجامع لا في غيره بحكم ولايته. فلمّا حضر لصلاة الجمعة بعد افتتاح "الزهراء" - وكان القاضي المنذر بن سعيد يخطب في المسجد، بدأ خطبته بقوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 128 - 135].
ومضى في هذه الطريقة والتذكير الخاشع، والموعظة المؤثرة، والقول البليغ في النفوس والقلوب - وما زال بالقوم حتى أخذ منهم الخشوع كل مأخذ، وضَجَّ المسجد على رحبه بالبكاء، وأخذ الخليفة من تلك الكلمات الإيمانية الصادقة بأوفر نصيب، فبكى وندم على ما حصل من التفريط، وكانت كل كلمة بالنسبة إليه سلاحًا ماضيًا يعمل عمله متخطيًا كل الحواجز والاعتبارات. غير أن الخليفة - على كل تأثره - وجد بعض الشيء على المنذر، وشكا ذلك لولده الحكم وقال - وقد أتعبته نفسه -: والله لقد تعمَّدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليَّ، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي، ثُمَّ أقسم ألاّ يصلي خلفه صلاة الجمعة، فجعل يلزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بـ قرطبة ، ويجانب الصلاة في الزهراء؛ عند ذلك قال له ابنه الحكم: ما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك إذا كرهته؟ وهنا تبدَّت الأصالة وغلب الدين، إذ قال الخليفة للحكم بعد أن زجره: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه - لا أُمَّ لك - يُعزَل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعًا مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكن أحرجني فأقسمت، ولوَدِدْتُ أن أجد سبيلاً إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلِّي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى، فما أظننا نعتاض عنه أبدًا.
فهذه مكانة العلماء عند الناصر، مكانة عظيمة، يعرف بها حقهم، ويقدِّر موعظتهم ولو كانت ثقيلةً عليه.

محمد فريد وجدي

العلامة محمد فريد وجدي
العلامة محمد فريد وجدي
هناك دوما أشخاص نرمقهم في الأفق، نعرفهم ولا يعرفوننا، ولا يلتقون بنا أبداً، لكننا نلتقى بهم دوماً، يشكلون عقلَ الأمة، وقلبَها النابض رقة ورأفة تجاه بنى قومهم، إنهم يتألمون لآلام قومهم ويغتاظون ممن سببها، لكنهم أبدا لا يفترون عن خدمتها، فهم لا ييأسون، ولا يعرف اليأس طريقه إليهم، وهم لا يملون خدمة الحق والخير والعدل؛ ذلك أنهم يحملون بضاعة غالية وسلعة غالية: إنهم يحملون مبادئ السماء وتعاليمها ليبددوا بها ظلمات الجهل والحماقة والغباء، فلديهم همة عالية لا تعرف القنوط ولا يتسرب إلى أرواحهم – بسببها – ملل. لقد قاموا بواجبهم في تربية فكر الأمة، صنعوا رجالا يحسنون البناء والتشخيص والعلاج. وكان محمد فريد وجدي من هؤلاء الأشخاص، فهماً وفقهاً وسيرة وخدمة للحق والعدل.
يقول العقاد في كتابه رجال عرفتهم عن محمد فريد وجدي:
"هو فريد عصره غير مدافع.. وتلك كلمة مألوفة ولطالما قيلت عن عشرات من حملة الأقلام في عصر واحد.. كلهم فريد عصره، وكلهم واحد من جماعة تعد بالعشرات.. فلا معنى لها في باب العدد، ولا في باب الصفات، ولا سيما صفات الرجحان والامتياز.. إلا أننا نقولها اليوم عن فريد وجدي لنعيد إليها معناها الذي يصدق على الصفة حرفاً حرفاً.. ولا ينحرف عنها كثيراً أو قليلاً.. حتى في لغة المجاز.."
ثم قال العقاد أيضًا:
"وأوجز ما يقال عنه أنه لم يخلق في عصره من يتقارب المثل الأعلى والواقع المشهود في سيرته كما يتقاربان في سيرة هذا الرجل الفريد..
نعم الفريد حتى في لغة الجناس.. لأن اسمه فريد، والفريد حتى في عزلته لأنه كان في عزلة النساك والرهبان، عليماً بالتحليل والتحريم..
رحم الله ذلك القلب الطهور.. وذلك الخلق الفريد: إن يكن اليوم لا يذكر اسمه حق ذكراه فما هو بالقصور ولا الخمول.. ولكنه يعيش في عزلة من دنيا التاريخ كما عاش أيامه في عزلة من دنيا الحياة".
ويذكر د. عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقاً مدى انتفاعه بمجالس فريد وجدي الذي كان يؤمها وزائريه في منزله بعد صلاة المغرب من كل يوم.. حتى أفاد منها د. عبد الحليم في تعرف الاتجاهات المختلفة كما فتح له أبواب الموضوعات التى تشغل أنصار الفكرة الإسلامية ليلقي عليها مزيداً من الضوء والمناقشة ثم لتكون مادة للبحث العلمي حين تنقل من الندوات إلى المجلات والكتب.
ويرى د. رجب البيومى أن من المسار المبهج أن نجد ثلاثة من علماء المسلمين العرب تترجم أكثر مؤلفاتهم إلى معظم لغات بنى الإسلام وهم: فريد وجدي وطنطاوي جوهري ورشيد رضا، فاكتسبوا شهرة إسلامية تجعلهم في طليعة علماء كل دولة يعتنق بنوها الإسلام ديناً .
من مواقف محمد فريد وجدي
1- يورد د. رجب البيومي هذه الحكاية بنفسه فيقول:
"صاحبتُ الأستاذ وجدي وجالسته فرأيت في أخلاقه الرفيعة نبياً ملهماً، وما ظنك بإنسان يقوم لخادمه إذا دخل عليه مهما تعددت مرات دخوله؟
فإذا سألته في ذلك أحاب متسائلاً عن الفرق بينه وبين الزائرين من الضيوف.
2- ذات مرة وعلى إثر مناقشة بين فريد وجدي وبين رشيد رضا اتهم رشيد رضا الأستاذ وجدي بأنه جاهل ولما لم يناقشه الأستاذ وجدي إلا كما يناقش الصديق الصديق، وسئل في ذلك قال:
"إن كلينا يحارب في جبهة واحدة.. هي الجبهة الإسلامية، وإذا كنا نحاول الرفق مع خصوم الإسلام لنستدرجهم إلى سماع ما نقول، فإن الرفق بأصحاب الاتجاه الواحد أدعى وألزم" والحق إنها وجهة نظر عاقلة قلما رأيت الناس يسلكونها.
3- راسل عامل بريد نصراني الأستاذ وجدي (وقد كان رئيسا لتحرير مجلة الأزهر الشريف) بعشر رسالات طوال تزيد الرسالة الواحدة على ست صفحات طوال، فرد عليه الأستاذ وجدي على بريد العامل النصرانى الخاص، وقد طلب بعضهم أن يجمع الأستاذ فريد تلك الردود والمقالات معا في كتاب مستقل فكان رده:
"لقد أرسل إلي هذا الرجل رداً مليئا بالأفكار الخاطئة وذلك بعد أن كتبت مقالاً عن الإسلام والمسيحية في مجلة الأزهر وخفت أن أنشره معقباً بدحضه فيحدث النشر بلبلة لدى إخواننا المسيحيين، لا أرتضيها، ثم خشيت أن أهمله فيظن حديثه صحيحاً.. فرأيت أن أفند آراءه في كتاب مستقل بعثت به إليه ولكنه أسهب وانتقل من موضوع إلى موضوع فدفعني ضميري إلى الرد عليه وكرر التعقيب فكررت الرد آملاً أن ينتهي النقاش عند حد حتى إذا نفد صبري اعتذرت بعد عشر رسائل ثم قال بتواضع وأدب: إن الفكر أمانة وصاحب القلم ليس مخيراً دائماً فيما يكتب ولكنه يُفاجَأ أحياناً بما لا سبيل إلى السكوت عنه فيحمل يراعه – قلمه – كما يحمل المجاهد في حومة القتال سلاحه، والله عليم بذات الصدور".
4- ويحكى أن الأستاذ وجدي ردّ على قاسم أمين بكتاب (المرأة المسلمة) الذي كان المورد الأول لمن يريد رأى الإسلام في هذه القضية، وواصل مقالاته حتى صادفت مقالة له أحد الوعاظ فاغتاظ من الأستاذ وجدي ووصف وجدي فريد بما ليس فيه وتهور وبالغ في كلماته فرد فريد وجدي على محتوى كلام الواعظ ولم يتحدث عما وُجّه إليه من إساءة فازداد الواعظ في تطاوله جداً جداً حتى اغتاظ بعض تلاميذ الأستاذ وجدى وقال له د . رجب البيومى: إن الرد على أمثال هذا المتشنج يزيد من غروره.. فقال الأستاذ وجدي كلمة تسجل بأحرف من نور لمن يعقلون قال:
"ليست القضية قضيتي ولا قضيته، ولكنها قضية القارئ البصير، وهذا القارئ سيتلو الرأي ونقيضه ثم يجنح إلى ما يستصوب، فالرد واجب، ومحاولة تجاهله تأييد للخطأ، وهزيمة للصواب".
مؤلفات محمد فريد وجدي
-المدنية والإسلام (ألفه وهو ابن عشرين عاما وقد ألف بالفرنسية ثم ترجم للعربية وغيرها).
-دائرة معارف القرن العشرين (ألفه في عشر سنين).
-من معالم الإسلام (مجموعة مقالات كتبت بمجلة الأزهر ثم جمعت ككتاب).
-على أطلال المذهب المادي (3 أجزاء).
-الوجديات (كتاب في أصول الحوار).
-المرأة المسلمة (ألف بغرض الرد على أفكار قاسم أمين التى خالفت في بعضها رأي الإسلام).
-مهمة الإسلام في العالم (يحتوى على 24 مبحثا).
-السيرة النبوية تحت ضوء العلم والفلسفة (يحتوى على 40 فصلاً).
-ليس من هنا نبدأ.
-في معترك الفلسفيين.
-المستقبل للإسلام.
-أوقات الفراغ.
-وله كتاب موجز في تفسير القرآن ترجم للغات عديدة.
هذا وقد رأس تحرير مجلة الأزهر الشريف وكتب فيها مقالات عديدة ربما لو جمعت لشكلت نواة جيدة لعدة كتب مفيدة في مجالات مختلفة.
الخطوط العريضة لفكر العلامة محمد فريد وجدي
يتركز فكر فريد وجدى رحمه الله في:
عرض الإسلام لأبنائه كما نزل من معينه الصافي.
تصفية الإسلام من شُبه الأعداء والحاقدين وعرضها بصورة جيدة يقبلها العقل الحر اليقظ.
حين تقرأ كتبه تحس أن هذا الرجل يدور في فلك هذا السؤال:
كيف نفهم الإسلام شريعة صالحة للإصلاح والحكم؟
صبغ الدعاة للإسلام بالصبغة العلمية والفلسفية.
محاربة الإلحاد وإبرازه على أنه آفة في العقل.
الخطوط العريضة لشخصية العلامة محمد فريد وجدي
من خلال كتاباته (فضلاً عن رأي معاصريه وتحليل فكره) يمكن تحديد بعض النقاط العريضة التي تتشكل عليها هذه الشخصية كما يلى:
- واثق بنفسه
- رزين متزن حليم... يقدر مشاعر الآخرين .
- جندي مجهول.
- عظيم القدر.
- منظم، علمي، عقلاني (فلسفي الطرح).
- نشط.
- طموح.
- عملي...إصلاحي...
- موضوعي.
- فريد.. ولكلٍ نصيب من اسمه.
من الدروس التي نتعلمها من دراسة هذه الشخصية:
 إن النفوس العظيمة التي تصحبها فطرة نقية وعقل يقظ تتشابه في الإنتاج والإبداع (فريد وجدي – رشيد رضا- حسن البنا - محمد أبو زهرة - محمد الغزالي -وغيرهم).
إن العقول الكبيرة التى تتشبث بثوابت الأمة تُلهم أفكارا كبيرة بها تصلح الأمة: يعيشون بها ولها.. من هذه الأفكار ( الإلحاد آفة- الدين أساس الإصلاح – الدين فطرة...).
إن الدعاة الصادقين يتناسون الأذى في أشخاصهم ويركزون على أهدافهم، ولعمرى لو أن أحدهم التفت لمن يهدمهم ما بنوا إنجازا يذكر، ولعمرى إن ذلك لموطن تختبر فيه عظمة النفوس ويقظة العقول.
لقد رأينا علماء يطويهم الصمت ويسحب عليهم ذيل النسيان ولكن.. غدا يذكرهم المخلصون من أبناء أمتهم وفي الآخرة عوض جميل.. إن شاء الله تعالى.
في النهاية..
كانت هذه سيرة رجل طواه بعض النسيان لكنه سيبقى في ضمير الأمة حياً كلما فكر النسيان أن يسحب ذيله عليه.. ولقد رأيت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجالاً - نحسبهم على خير- يعيدون إحياء تلك النجوم التى نفخر بهم حين نقول: هؤلاء من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم.

نور الدين محمود

وقفات مع نور الدين محمود
وقفات مع نور الدين محمود
"بعض الحكام قد زينوا الحكم بتقواهم، وبعضهم الآن قد أفسد حياتنا بطغيانه"
 اتفقوا على كونهم أربعة من الخلفاء الراشدين، وتجاوزوا فترة زمنية ليست بالطويلة ليضيفوا إليهم عمر بن عبد العزيز كخليفة خامس، ثم مرت سنون كثيرة ليختلفوا هل يعد نور الدين محمود هو الخليفة الراشد السادس أم لا؟
الحق أن في سيرة هذا الرجل ما يدعو إلى التوقير والدراسة والبحث، ويكفينا فخرًا أن تتعطر ألسنتنا بذكر بعض مواقف هذا الرجل الصالح، فلقد هبَّ كما يهب المارد ليحرر المسجد الأقصى من دنس الحملات الصليبية.. لكننا نقتطع من سيرة هذا الرجل بعض -وليس كل- ما تذكره كتب التاريخ من مواقف للسلطان نور الدين محمود.
لا تعاملني إلا معاملة الخصوم
رأى يومًا رجلا يحدث آخر ويومئ إليه فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على نور الدين حقًّا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك أقبل مع خصمه ماشيًا إلى القاضي وأرسل نور الدين إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم.  فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي حتى انفصلت الخصومة والحكومة ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال للسلطان: إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا خدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرعه، فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به ووهبته له.
قولك هذا إساءة أدب على الله
وقال له يومًا قطبُ الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان، لا تخاطر بنفسك، فإنك لو قتِلتَ قتِل جميع من معك وأخذت البلاد وفسد حال المسلمين.  فقال له: « اسكتْ يا قطب الدين، فإن قولك إساءة أدب على الله ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟» فبكى من كان حاضرًا.
ويحك لا تغتب عندي أحدًا
وكان يجمع الفقهاء عنده والمشايخ ويكرمهم ويعظمهم وكان يحب الصالحين. وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض الفقهاء، فقال له نور الدين: « ويحك! إنْ كان ما تقول حقًّا فله من الحسنات الكثيرة الماحية لذلك ما ليس عندك مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت، إن كنت صادقًا على أني والله لا أصدقك، وإن عدت ذكرته أو أحدًا غيره عندي بسوء لأوذينك ». فكفَّ عنه ولم يذكره بعد ذلك.
إذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا
كان نور الدين – رحمه الله - مهيبًا وقورًا شديد الهيبة في قلوب الأمراء، لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إلا بإذنه، ولم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إذن سوى الأمير نجم الدين أيوب، وأما أسد الدين شيركوه ومجد الدين نائب حلب وغيرهما من الأكابر فكانوا يقفون بين يديه، ومع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته في وقار وسكون، وإذا أعطى أحدا منهم شيئًا مستكثرًا يقول: « هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا ».
والله لنحفظن الشريعة
كتب إليه الشيخ عمر بن الملا: « إن المفسدين قد كثروا ونحتاج إلى سياسة، ومثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجيء يشهد له؟» فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه: « إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى، فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي. والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم ». فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك وكتاب الملك إلى الزاهد.
إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم
ويُروى أنه لما رأى أصحابُ نور الدين كثرة خروجه للجهاد وإنفاقه عليه قال له بعضهم: « إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والقراء، فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح ». فغضب من ذلك، وقال:  « والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك. فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم. كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ، وأصرفها على من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطئ، وهؤلاء لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم؟» وكانت بلاد الشام خالية من العلم وأهله، وفي زمانه صارت مقرًّا للعلماء والفقهاء.
من أقواله-رحمه الله:
« إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج».
« والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام».
« قد تعرضت للشهادة غير مرة فلم يتفق لي ذلك ولو كان فيّ خير ولي عند الله قيمة لرزقنيها والأعمال بالنية».
« إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم».
شهادات المؤرخين وثناؤهم عليه
قال ابن الأثير في بيان فضله: « قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، ولا أكثر تحريًا للعدل والإنصاف منه. قد قصر ليله ونهاره على عدل ينشره، وجهاد يتجهز له، ومظلمة يزيلها، وعبادة يقوم بها، وإحسان يوليه، وإنعام يسديه، فنور الدين رحمه الله لم يأبه بأبهة الحكم والسلطان ولم يتقاضَ راتبًا من بيت المال المسلمين، وإنما كان يأكل ويلبس هو وأهله من ماله الخاص، ولم يكن له بيت يسكنه، وإنما كان مقامه في غرفة في قلعة قد اشتراها من ماله، يحل فيها عندما يعود من ساحة الجهاد».
يقول الإمام ابن عساكر: « بلغني أنه في الحرب رابط الجأش، ثابت القدم، حسن الرمي بالسهام، صليب الضرب عند ضيق المقام، يقدُم أصحابه عند الكرة، ويحمي منهزمهم عند الفرة، ويتعرض بجهده للشهادة لما يرجو بها من كمال السعادة ».
وقال الفقيه أبو الفتح الأشري: « وكان نور الدين محافظًا على الصلوات في أوقاتها في جماعة بتمام شروطها والقيام بها بأركانها والطمأنينة في ركوعها وسجودها. وكان كثير الصلاة بالليل كثير الابتهال في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في أموره كلها».
أما الدكتور ماجد عرسان الكيلاني والدكتور عماد الدين خليل فيقولان: «إن الرحلة مع نور الدين تعلمنا كيف يكون الإيمان دافعًا حضاريًّا، فضلا عن كونه الأساس المبدئي، أو العامل، الذي يشدّ القيم المبعثرة والإرادات المختلفة الاتجاه، وأعمال الناس ومنجزاتهم إلى هدف محدّد، ويضع لها الإطارات التي تجعل من مجموع هذه القيم والأهداف والإنجازات والأعمال وحدة حضارية متميزة. فهو –فضلا عن هذا كله- يقوم بوظيفة المحرك، أو الدافع الداخلي، الذي يدفع الإنسان والجماعات، في نطاق الحضارة الواحدة، إلى التقدم دومًا بحضارتهم صوب آفاق جديدة ومكاسب أكثر غنى، عن طريق استغلال إمكانات الزمن والمكان إلى أقصى مدى ممكن...» «... لقد حقق نور الدين محمود بانقلابيته التي غطت جل مساحات الحياة، واستمداده من منابع الإسلام الأصلية في القرآن والسنة الأرضية المناسبة التي تبعث المجاهد إلى الوجود وتمكنه من أداء أثره في أحسن الظروف، وأكثرها قدرة على شحن طاقاته، لا سيما أن الجهاد لا يتحقق مفهومه الحركي الدائم إلاّ بوجود شروط معينة أبرزها: القيادة المخلصة، الملتزمة، الواعية، والتمسك الجماهيري، والدفع الروحي الدائم، والرؤية الموضوعية...».
وأخيرا يطيب لي أن أقول: إن بعض الحكام قد زينوا الحكم بتقواهم، وبعضهم الآن قد أفسد حياتنا بطغيانه.. ألا ما أبعدَ الشقة، وما أقصى الأماني لولا ثقة في الله ورجاء فى رحمته.

الإمام الأوزاعي

الإمام الأوزاعي .. العالم المرابط
الإمام الأوزاعي .. العالم المرابط
قال محمد بن عجلان: "لم أرَ أحدًا أنصح للمسلمين من الأوزاعي، كان إذا وعظ الناس لم يبق أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو قلبه، ما رؤي ضاحكًا مقهقهًا ولا باكيًا في مجلسه قط، وكان إذا خلا بكى حتى يُرحَم..
أفتى وله من العمر خمس وعشرون سنة.. ولم يزل يفتي حتى مات رحمه الله، وقد أفتى في سبعين مسألة بحدثنا وأخبرنا..
حياة الإمام الأوزاعي ومولده
هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أبو عمرو الأوزاعي، نسبة إلى محلة "الأوزاع" قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق. ولد بمدينة بعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، ونشأ بالبقاع يتيمًا في حجر أمه التي كانت تنتقل به من بلد إلى بلد. تأدّب بنفسه، فلم يكن من أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع، ولا أعلم، ولا أفصح، ولا أحلم، ولا أكثر صمتًا منه. ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه من حسنها، كما قال ابن كثير رحمه الله.
سكن بيروت مرابطًا إلى أن مات فيها سنة سبع وخمسين ومائة للهجرة، وعمره يومذاك سبع وستون سنة.سمع من جماعات من التابعين، كعطاء بن أبي رباح، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، والزهري.
وحدّث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس، والثوري، والزهري، وهو من شيوخه، وأثنى عليه غير واحد من الأئمة. قال النووي رحمه الله: "وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي وجلالته وعلو قدره وكمال فضله..".
وقال أبو عمرو الشامي الدمشقي: "الأوزاعي إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة".
وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله:"كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به".
أما سفيان بن عيينة فقال: "كان الأوزاعي إمام أهل زمانه".
كان الإمام الأوزاعي رحمه الله كثير العبادة، حسن الصلاة، حتى قال في حقه الوليد بن مسلم: "ما رأيت أحدًا أشد اجتهادًا من الأوزاعي في العبادة". وكان رحمه الله يقول: "من أطال القيام في صلاة الليل هوّن الله عليه طول القيام يوم القيامة" أخذ ذلك من قوله تعالى: {ومن الليل فاسجدْ له وسبحه ليلًا طويلًا. إنّ هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا}[الإنسان: 26-27].
كما كان -رحمه الله- إلى جانب زهده وورعه كريمًا سخيًّا، لم يمسك شيئًا، ولم يترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه، وكان ينفق كل ما يأتيه في سبيل الله، وفي الفقراء والمساكين عدا عن كونه شديد التمسك بالسنة، فهو القائل: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم.. عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.. اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل ما قالوا، وكفّ عما كفوا، وليسعك ما وسعهم".
إلى جانب كونه قائمًا بالحق لا يخشى في الله لومة لائم، وقد روي عن والي بيروت عند وفاه الأوزاعي رحمه الله قوله:"رحمك الله يا أبا عمرو، فقد كنتُ أخافك أكثر ممّن ولاّني" أي: الخليفة.
وهو القائل: "لا يجتمع حب عثمان وعلي رضي الله عنهما إلا في قلب مؤمن.. وإذا أراد الله بقوم شرًا فتح عليهم باب الجدل وسدّ عنهم باب العلم والعمل".
من مواقف الإمام الأوزاعي
لما دخل عبد الله بن علي، عم السفاح العباسي، دمشق بعد القضاء على الدولة الأموية، طلب الأوزاعيَ الذي يحدثنا فيقول: دخلتُ عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة، والمسوّدة علي يمينه وشماله، معهم السيوف مسلطة، فسلمتُ عليه، فلم يردّ، ونكت بتلك الخيرزانة التي في يده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد، أجهادًا ورباطًا هو؟ فقلتُ: أيها الأمير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". فنكت بالخيزرانة أشد من ذلك وقال: ما تقول في أموالهم؟ فقلتُ: إن كانت في أيديهم حرامًا، فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت لهم حلالًا، فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.. فنكتَ أشد مما كان ينكت من قبل، ثم قال: ألا نولّيك القضاء؟ فقلتُ: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدأوني به من الإحسان. فقال: كأنك تحب الانصراف؟ قلت: إن ورائي حرمًا، وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن، وقلوبهن مشغولة بسببي... فأمرَني بالانصراف.
قوة الإمام الأوزاعي في الحق
ذكر صاحب كتاب "الأموال" أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله، وكذلك صاحب "فتوح البلدان" البلاذري وغيرهما من المؤرخين، ما أقدم عليه نفر من أهل الذمة –النصارى- في جبل لبنان أيام العباسيين من نكث للعهود وحمل للسلاح وإعلان للفتنة والتمرد، وكيف قضى على فتنتهم الوالي العباسي صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وكيف أقر من بقي منهم على دينهم وردّهم إلى قراهم، ثم كيف شرّد أهل القرى وأجلاهم عن قراهم رغم عدم اشتراكهم جميعًا في هذه الفتنة.
ويذكرون كيف أن إمام أهل الشام، الأوزاعي رحمه الله، لم يرضَ بما حلّ بهم، ولم يسكت عن هذا الظلم، فما كان منه إلا أن أرسل رسالة إلى الوالي يقول فيها: "... وقد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، ممن لم يكن ممالئًا لمن خرج على خروجه، ممن قتلتَ بعضهم، ورددتَ باقيهم إلى قراهم ما قد علمتَ، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى:{ألا تزرَ وازرة وزرَ أخرى[النجم:38]، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به.. وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال:"من ظلم معاهدًا أو كلَّفه فوقَ طاقته فأنا حجيجه" (أي: خصمه). وأصرّ على الوالي أن يبادر برفع هذا الظلم، وإزالة الحيف عن كاهل هؤلاء المظلومين مبينًا له ضرورة التزام مبادئ الإسلام مهما كانت الظروف.. ولقد استجاب الوالي وفعل ما طلبه الأوزاعي.
هذا على الرغم من أن الذين قاموا بالفتنة من هؤلاء النصارى نكثوا العهد، وكانوا على صلة بالبيزنطيين، يعملون لحسابهم، إضافة إلى ارتكابهم عمليات النهب والقتل وقطع الطريق وترويع الآمنين. يقول فيليب حتي اللبناني المتأمرك في كتابه (تاريخ سورية 2/165): ".. لجأت جماعة من نصارى الجبل إلى السلاح تفاديًا لمصادرات جديدة تنزل بهم، منتهزين فرصة وجود الأسطول البيزنطي في مياه طرابلس، وانقضوا من قاعدتهم وانتهبوا عددًا من قرى البقاع، وكان يتزعمهم فتى قروي عظيم البنية، بلغ من جرأته وتهوره أن أقام نفسه ملكًا، لكن العصابة اللبنانية قيدت بعد حين إلى كمين قرب بعلبك، نصبته لهم فرقة فرسان عباسية وفتكت بهم..".
ولقد أوردتُ في هذا الجانب رواية فيليب حتي لأنه غير متهم بمعاداة هؤلاء بل بموالاتهم وحبهم والحدب عليهم.. ومع ذلك لم يقبل الأوزاعي، رحمه الله، ما لجأ إليه الوالي لكسر شوكتهم، احتياطًا وتحسبًا لأمر قد يحدث مستقبلًا، فشردهم من القرى في الجبل وأسكتهم غيرها... وأصر عليه بضرورة التزام حكم الله عز وجل وإنفاذ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. "وقد بلغنا أن حكم الله عز وجل ألا يؤخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يؤخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم الله على أعمالهم، فأحق الوصايا أن تحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم".
موعظة الإمام الأوزاعي للمنصور العباسي
اجتمع الأوزاعي بـ المنصور العباسي حين دخل الشام – وكان الاجتماع استجابة لطلب المنصور، وبعد محاولات من الأوزاعي للتهرب- وعظه وذكّره، وكان مما قاله: "يا أمير المؤمنين، إنك تحمل أمانة هذه الأمة، وقد عرضت على السموات والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقن منها.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من راع يبيت غاشًّا لرعيته إلا حرّم الله عليه رائحة الجنة". يا أمير المؤمنين، من كره الحق فقد كره الله، إن الله هو الحق المبين، فأعيذك يا أمير المؤمنين أن ترى قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفعك مع المخالفة لأمره، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "يا صفية عمة محمد، ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا نفسيكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا". إنك عند الناس لحقيق أن تقوم فيهم بالحق، وأن تكون بالقسط فيهم قائمًا، ولعوراتهم ساترًا، لِمَ تُغلِق دونهم الأبواب، ولِمَ تقم عليك دونهم الحجاب؟ يا أمير المؤمنين، إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى.. إنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه..
ولما استأذن الأوزاعي بالانصراف، أمر له المنصور بمال يستعين به على خروجه، فرفض الأوزاعي المال، وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا..
هذا غيض من فيض من مواقف وقفها الأوزاعي لله، فلا عجب أن يهابه الولاة، ولا عجب أنلم يمكنهم الله عز وجل أن يمدوا أيديهم بالأذى إليه.
رحمك الله أبا عمرو، وقيض للمسلمين في أيامهم هذه من العلماء العاملين أمثالك.